للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُكْرَهُ الجُلُوسُ فِي المَسْجِدِ لِلْقَضَاءِ، لِأَنَّهُ يَحْضُرُهُ المُشْرِكُ وَهُوَ نَجَسٌ بِالنَّص، وَالحَائِضُ وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ عَنْ دُخُولِهِ. وَلَنَا: قَوْلُهُ : «إِنَّمَا بُنِيَتْ المَسَاجِدُ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالحُكْمِ». «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَفْصِلُ الخُصُومَةَ فِي مُعْتَكَفِهِ» وَكَذَا الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي المَسَاجِدِ لِفَصْلِ الخُصُومَاتِ، وَلِأَنَّ القَضَاءَ عِبَادَةٌ فَيَجُوزُ إِقَامَتُهَا فِي الْمَسْجِدِ كَالصَّلَاةِ.

وَنَجَاسَةُ المُشْرِكِ فِي اعْتِقَادِهِ لَا فِي ظَاهِرِهِ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْ دُخُولِهِ، وَالحَائِضُ تُخْبِرُ بِحَالِهَا فَيَخْرُجُ القَاضِي إِلَيْهَا، أَوْ إِلَى بَابِ المَسْجِدِ، أَوْ يَبْعَثُ مَنْ يَفْصِلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَصْمِهَا، كَمَا إِذَا كَانَتْ الخُصُومَةُ فِي الدَّابَّةِ. وَلَوْ جَلَسَ فِي دَارِهِ لَا بَأْسَ بِهِ، وَيَأْذَنُ لِلنَّاسِ بِالدُّخُولِ فِيهَا، وَيَجْلِسُ مَعَهُ مَنْ كَانَ يَجْلِسُ قَبْلَ ذَلِكَ لِأَنَّ فِي جُلُوسِهِ وَحْدَهُ تُهْمَةٌ.

كان يحكم في مُعتَكَفِه، وكذا الخلفاء الراشدون، والسلف من الصحابة والتابعين في المساجد، وبه قال أحمد (١) أيضًا.

وفي المبسوط (٢): ولا يقضي وهو يمشي أو يسير على الدابة؛ لأنه عند ذلك لا يكون معتدل الحال، وقلبه مشغولاً بما هو فيه من المشي والسير، ولا يتفرغ للنظر في الحُجَج، ولأنه نوع من الاستخفاف ظاهرا وباطنا.

ولا بأس بأن يتكئ ويقضي؛ لأن التكأة نوع جلسة، كالتربع وغيره، وطباع الناس في الجلوس مختلفة.

وينبغي ألا يقضي وهو غضبان، أو فرحان في غاية الفرح، أو جائع أو عطشان، ولا مهموم، ولا في حالة غلبة النعاس، ولا في حر وبرد مزعج مؤلم، ولا حاقن، فالحاصل أنه لا يقضي في حال شغل قلبه بشيء من ذلك بلا خلاف.

أصله قوله : «لا يَقْضِي القَاضِي وهوَ غَضْبَانُ» (٣) معلول؛ لشغل القلب.

قوله: (تهمة) أي: تهمة الرشوة أو الظلم، وقد روي أن عثمان ما يحكم حتى يحضر أربعة من الصحابة.


(١) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٢٨)، والمغني (١٠/٤١).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٦/ ٨٢).
(٣) أخرجه البخاري (٩/ ٦٥ رقم ٧١٥٨)، ومسلم (٣/ ١٣٤٢ رقم ١٧١٧) من حديث أبي بكرة .

<<  <  ج: ص:  >  >>