قلنا: الفرق أن المدعى متى كان مالا مقدرًا أمكن إثباته على الكفيل باعتبار إقراره نظرًا إلى كفالته؛ لتضمنها الإقرار بالمال، فلا حاجة إلى تعدية المال إلى الأصيل، والإيصال منتفٍ، وفيما إذا أبهم لا يمكن إثبات المال على الكفيل باعتبار إقراره؛ لتعطل الكفالة بصفة الإبهام، فدعت الضرورة إلى إثبات كفالة متعدية إلى الأصيل عملا بالبينة.
وفي الجامع الكبير: المسألة على أربعة أوجه:
إما إن كانت الكفالة مطلقة بأن قال: كفلت بمالك على فلان.
أو مقيدة بأن قال: بألف على فلان.
وكل على وجهين بالأمر أو بغير الأمر؛ فإن كانت مطلقة فبالقضاء على الكفيل قضاء على الأصيل، سواء كانت بالأمر أو عدمه؛ لأن الطالب لا يتوصل إلى حقه من الكفيل، ولا بعد إثباته على الأصيل؛ لما ذكرنا؛ لأن القول للكفيل أنه ليس للطالب شيء على الأصيل، فإذا كان كذلك صار الكفيل خصمًا عنه وإن كان غائبًا، وعندنا (١) القضاء على الغائب لا يجوز إلا إذا ادعى على الحاضر حقًا لا يتوصل إليه إلا بإثباته على الغائب.
قال مشايخنا: هذا طريق من أراد إثبات الدين على الغائب من غير أن يكون بين الكفيل والغائب اتصال، وكذا إذا خاف الطالب موت الشاهد يتواضع مع رجل، ويدعي عليه مثل هذه الكفالة، فيقر بالكفالة وينكر الدين، فيقيم المدعي بينة على الدين، فيقضى به على الكفيل والأصيل، ثم يبرأ الكفيل.
وكذا الحوالة على هذه الوجوه، وكذا كل من يدعي حقًا عليه لا يثبت عليه إلا بالقضاء عن الغائب كان الحاضر خصمًا عن الغائب، وهذا استحسان أخذ به علماؤنا صيانة لحقوق المسلمين.
والقياسُ: أن ينتصب الحاضر خصمًا عن الغائب، ولا يصح القضاء على الغائب. كذا ذكره المرغيناني والتمرتاشي والمحبوبي، ويجيء هذا البحث في أدب القاضي بتمامه.