للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

قَالَ: (وَمَنْ كَفَلَ عَنْ رَجُل بِأَلف عَلَيْهِ بِأَمْرِهِ فَقَضَاهُ الأَلفَ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهُ صَاحِبَ المَالِ فَلَيسَ لَهُ أَنْ يَرجِعَ فِيهَا) لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ القَابِضِ عَلَى احْتِمَالِ قَضَائِهِ الدِّينَ فَلَا يَجُوزُ المُطَالَبَةُ مَا بَقِيَ هَذَا الاحتِمَالُ، كَمَنْ عَجَّلَ زَكَاتَهُ وَدَفَعَهَا إِلَى

كما ذكرنا، وأما إذا كسدت الفلوس بطل الملك في حق المشتري؛ فلذلك انتقض العقد. وأما هاهنا فالدين باقٍ في حق صاحب الدين فلا يبطل العقد، وكذا لو مات مفلسًا عن كفيل لا يبرأ الكفيل بموته؛ لأن ذمة الكفيل خلف عن ذمة المديون بعد صحة الكفالة في حياته، وقد يتحول الدين إلى ذمة الكفيل عند الضرورة، وهو عند أداء الكفيل أو الهبة له على ما ذكرنا، وقد تحققت الضرورة هاهنا فبقي الكفيل على كفالته.

وكذا الرهن، فإن الرهن خلف عن ذمة المديون فيما هو المقصود، وهو الاستيفاء منه عند تعذر استيفائه من محل آخر، فإن له ذمة صالحة لوجوب الحق، وإن ضعفت ذمته بسبب الرق، فتصح الكفالة عنه، وإن لم يطالب به؛ لرقه وحجر المولى، كما أن الدين ثابت في ذمة المفلس الحي، وإن كان لا يُطالب به بالنص، قال تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].

أما إذا مات فخرج من أن يكون أهلا لالتزام شيء من الحقوق في أحكام الدنيا، فعرف أن ذمته لم تبق صالحة لكونها محلا للحق، ولكنه في أحكام الآخرة معد للحياة، فيبقى في أحكام الآخرة؛ إذ القبر للحياة ليوم التناد كالمهد للأولاد. كذا في المبسوط (١) والأسرار.

قوله: (ومن كفل عن رجل بألف عليه) أي: على الرجل (بأمره) أي: بأمر الرجل، وهو المديون (فقضاه) أي: فقضى الرجل المديون الكفيل؛ أي: أداه (الألف قبل أن يعطيه) أي: يعطي الكفيل الألف، على تأويل المال.

(صاحب المال) بالنصب؛ لأنه مفعول ثان ليعطيه (فليس له) أي: للرجل المديون (أن يرجع فيها) (٢) أي: في الألف [التي أعطاها للكفيل (لأنه) أي: لأن الألف، على تأويل المال.

قوله: (كمن عجل زكاته) أي: ليس له] (٣) أن يأخذها من يد الساعي،


(١) المبسوط للسرخسي (٢٥/٤٨).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٨/ ٤٥٧).
(٣) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.

<<  <  ج: ص:  >  >>