للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

يَرَى أَنَّهُ لَم يَنسُبُهُ إِلَى مَا عَلَيْهِ، وَلَا تَصِحُ الكَفَالَةُ عَلَى هَذَا الوَجْهِ وَإِنْ بَيَّنَهَا، وَلِأَنَّهُ لَم تَصِحَ الدَّعَوَى مِنْ غَيْرِ بَيَان، فَلَا يَجِبُ إِحضَارُ النَّفْسِ، وَإِذَا لَمْ يَجِب لَا تَصِحُ الكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ فَلَا تَصِحُ بِالمَالِ، لِأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا بَيَّنَ. وَلَهُمَا: أَنَّ المَالَ ذُكِرَ مُعَرَّفا فَيَنصَرِفُ إِلَى مَا عَلَيْهِ، وَالعَادَةُ جَرَت بِالإِجْمَالِ فِي الدَّعَاوَى فَتَصِحٌ الدَّعْوَى عَلَى اعْتِبَارِ البَيَانِ، فَإِذَا بَيَّنَ التَحَقَ البَيَانُ بِأَصلِ الدَّعْوَى، فَتَبَيَّنَ صِحَّةُ الكَفَالَةِ الأُولَى فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الثَّانِيَةُ.

قَالَ: (وَلَا تَجُوزُ الكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ فِي الحُدُودِ وَالقِصَاصِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) مَعْنَاهُ:

كان المال معلومًا عند الدعوى، وأما إذا لم يكن معلومًا عند الدعوى؛ فلأن العادة جرت فيما بين الناس أنهم يحملون الدعوى أولا في غير مجلس القاضي، ويبينون عند القاضي دفعًا لحيل الخصوم، وصونًا لكلامهم إلى وقت الحاجة، فصحت الدعوى والملازمة على احتمال البيان من جهته، فإذا بين انصرف بيانه إلى ابتداء الدعوى فتظهر به صحت الكفالة بالنفس، فتصح الكفالة بالمال؛ لأنها بناء على الكفالة بالنفس، ويكون القول له في هذا البيان؛ لأنه يدعي صحة الكفالة، والكفيل يدعي الفساد.

ذكر في الذخيرة: وجه قولهما في المسألة: أن بين الكفالتين اتصالا؛ لأن التعليق بعدم الموافاة صحيحة كما في المسألة الأولى، وفي تصحيح الكفالة الثانية تأكيد موجب الأولى فكذا هاهنا؛ لأن الكفالتين بشخص، واحد ففي تصحيحه تأكيد موجب الأولى، لأن موجبها الموافاة، فمتى عُلم أنه لم يواف به لزمته الكفالة الثانية، جد في طلبه ليوافي به؛ دفعا لضرر التزام الثانية.

قوله: (ولا تجوز الكفالة بالنفس في الحدود) إلى آخره (١)، وبقول أبي حنيفة قال الشافعي في قول (٢)، وأحمد (٣) وأكثر أهل العلم، وعندهما يجبر في حد القذف والقصاص، وبه قال الشافعي في المشهور عنه (٤)، وعن مالك مثله (٥).


(١) انظر: مختصر القدوري (١/ ١١٨).
(٢) انظر: الحاوي الكبير (٦/ ٤٦٣).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (٤/ ٤١٦).
(٤) بحر المذهب للروياني (٥/٤٥).
(٥) انظر: بداية المجتهد (٤/ ٨١)، الذخيرة للقرافي (٩/ ١٨٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>