للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وَلَنَا: أَنَّهُ يُشبِهُ البَيعَ وَيُشبِهُ النَّذَرَ مِنْ حَيثُ إِنَّهُ التِزَامُ. فَقُلْنَا: لَا يَصِحُ تَعلِيقُهُ بِمُطلَقِ الشَّرطِ، كَهُبُوبِ الرِّيحِ وَنَحْوِهِ. وَيَصِحُ بِشَرط مُتَعَارَف عَمَلًا بِالشَّبَهَينِ، وَالتَّعْلِيقُ بِعَدَمِ المُوَافَاةِ مُتَعَارَفٌ.

قَالَ: (وَمَنْ كَفَلَ بِنَفْسٍ رَجُل وَقَالَ: إِنْ لَم يُوَافِ بِهِ غَدًا فَعَلَيْهِ المَالُ، فَإِنْ مَاتَ المَكفُولُ عَنهُ: ضَمِنَ المَالَ) لِتَحَقُّقِ الشَّرطِ وَهُوَ عَدَمُ المُوَافَاةِ.

(ولنا أنه) أي: عقد الكفالة (يشبه البيع) أي: انتهاء، من حيث إن الكفيل يرجع على الأصيل إذا كان بأمره (ويشبه النذر) من حيث إنه التزام شيء غير لازم؛ فلشبهه بالبيع ألا يجوز تعليقه بالشرط كما في البيع، ولشبهه بالنذر ينبغي أن يجوز بالشروط كلها، فقلنا: يجوز بشرط متعارف ولا يجوز بشرط غير متعارف؛ عملا بالشبهين، وتعليقه بعدم الموافاة متعارف، وبدخول الدار غير متعارف، وما قال الشافعي: إن هذا التعليق التزام المال، غير مسلم، فإن الكفالة عندنا التزام المطالبة لالتزام المال. كذا في الفوائد الظهيرية.

قوله: (ومن كفل بنفس رجل) إلى قوله: (وهو عدم الموافاة).

فإن قيل: هذه المسألة عين الأولى، غير أن في الأولى لم يذكر موت المكفول به، وهاهنا ذكره، وبه لا يقع الفرق؛ إذ لزوم المال بموته وعدم موته لا يتفاوت.

قلنا: بل بينهما فرق، وهو أنه لم يذكر في بعض نسخ الجامع لفظ الغد في هذه المسألة، فكان تعليق الكفالة بالمال بعدم الموافاة مطلقا، وهناك مقيدًا، فكان بينهما فرق؛ إذ المطلق غير المقيد، وعلى ذكر الغد فالفرق بينهما بوجه آخر: وهو أن المكفول به مات قبل مجيء الغد، فوجب المال على الكفيل عند مجيء الغد فيتوهم متوهم بافتراق الحكم في عدم الموافاة بين كونه حيًّا أو ميتا، فأزال ذلك الوهم بذكرها.

فإن قيل: شرط الكفالة بالمال عند عدم الموافاة بقاء الكفالة بالنفس على حالها؛ ولهذا لو أبرأ الكفيل عن الكفالة بالنفس عند عدم الموافاة، فانفسخت الكفالة بالنفس قبل وجود شرط الكفالة بالمال في مسألة: (شرب ماء الكوز اليوم فأهريق قبل الليل)، لا يحنث عند أبي حنيفة ومحمد.

<<  <  ج: ص:  >  >>