للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

قالَ: (فَإِنْ تَكَفَّلَ بِنَفْسِهِ عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَم يُوَافِ بِهِ إِلَى وَقتِ كَذَا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا عَلَيْهِ، وَهُوَ أَلفُ: فَلَم يُحضِرهُ إِلَى ذَلِكَ الوَقتِ لَزِمَهُ ضَمَانُ المَالِ لِأَنَّ الكَفَالَةَ بِالمَالِ مُعَلَّقَةٌ بِشَرط عَدَمِ المُوَافَاةِ، وَهَذَا التَّعلِيقُ صَحِيحٌ، فَإِذَا وُجِدَ الشَّرطُ لَزِمَهُ المَالُ وَلَا يَبْرَأُ عَنْ الكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ) لِأَنَّ وُجُوبَ المَالِ عَلَيْهِ بِالكَفَالَةِ لَا يُنَافِي الكَفَالَةَ بِنَفْسِهِ، إِذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلتَّوَثُقِ.

قوله: (وإن لم يواف به أَيْ: إن لم يأت به، وافاه: أتاه، مفاعلة من الوفاء، ومنه كفل بنفس رجل على أن يوافي به المسجد الأعظم. كذا في المغرب (١).

والتقييد بما عليه مفيد، لأنه إذا قال ما عليه ولم يُسَمِّ كم هو جاز؛ لأن جهالة المكفول به لا تمنع صحتها، لأنها مبنية على التوسع، ولأن ما عليه معلوم في نفسه، وإن لم يكن معلومًا فإعلامه ممكن؛ ألا ترى أنه قال: لو تكفلت بما أدركك في هذه الجارية المشتراة من درك كان جائزا، وأصل اللحوق في الدرك، وقدر ما يلحقه فيه الدرك مجهول، وقد اعتاد الكفالة بهذه الصفة، وكذا الكفالة بالشجة صحيحة، مع أن الشجة غير معلومة: هل تبلغ النفس أم لا تبلغ؟ وبقولنا قال أحمد (٢).

قوله: (ولا يبرأ عن الكفالة بالنفس)، فإن قيل: ينبغي أن يبرأ؛ إذ وجوب الكفالة بالمال بطريق البدلية من الكفالة بالنفس، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقوله : «التُرَابُ طَهُورُ المُسْلِمِ إِلى عَشْرِ حُجَجٍ مَا لَمْ يَجِدْ المَاءَ» (٣)، فإن قوله: (إن لم يواف به غدًا فأنا ضامن) - وزانه.

قلنا: الكفالة بالمال ليست ببدل عن الكفالة بالنفس؛ لأن كل واحد منهما مشروع للتوثق) فالتوثق بالكفالة بالنفس لا ينافي التوثق بالكفالة بالمال، وهذه


(١) انظر: المغرب في ترتيب المعرب (١/ ٤٩١).
(٢) انظر: دقائق أولي النهى بشرح منتهى الإرادات (١٣١٢)، وكشاف القناع (٣/ ٣٧٧).
(٣) أخرجه أبو داود (١/ ٩١) رقم (٣٣٣)، والترمذي (١/ ١٨٤) رقم (١٢٤)، والحاكم (١/ ١٧٦ رقم ٦٢٧) من حديث أبي ذر الغفاري .
قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: حديث صحيح ولم يخرجاه.

<<  <  ج: ص:  >  >>