اختلفا في الصحة، فإن خرج كلامهما مخرج التعنت كان باطلا، وكان القول قول من يدعي الصحة، وإن خرج مخرج الخصومة قال أبو حنيفة: القول قول من يدعي الصحة أيضًا كما في الأول، وبه قال الشافعي، وقالا: القول قول المنكر إن أنكر الصحة.
[والمراد] بالمتعنت لغة: من يتطلب العنت، وهو الوقوع فيما لا يستطيع الإنسان الخروج عنه، والمراد بالمتعنت شرعًا: من ينكر ما ينفعه ويريد الإضرار بغيره. وبالمخاصم: من ينكر ما يضره. كذا في الفوائد الظهيرية.
(فالقول قول المسلم إليه)(١)(٢) وبه قال الشافعي (٣) أي: بالاتفاق، (لأن رب السلم متعنت) لأنهما اتفقا على عقد واحد، واختلفا في بيان الصفة التي هي من شرائط العقد فمن يدعي الصحة كان الظاهر شاهدًا له؛ إذ الظاهر من حالهما مباشرة العقد بوصف الصحة، فكان القول قول من يشهد له الظاهر؛ لأنه أقرب إلى الصدق. كذا ذكره الإمام قاضي خان.
وفي الكافي: كلام المتعنت مردود، فبقي قول صاحبه بلا معارض.
وقوله:(لأن المسلم فيه يربو) إلى آخره، دليل فيه على قوله:(لأن رب السلم متعنت) لربا المسلم فيه على رأس المال عادة، فكان الخير له في صحة العقد، فإذا أنكر صحته فقد كان متعنتا.
فإن قيل: لا نسلم أن المسلم فيه يربو، بل رأس المال خير وإن قل من المسلم فيه وإن حل؛ لما أن رأس المال نقد، والمسلم فيه نسيئة، وفي المثل السائر: النقد خير من النسيئة.
قلنا: نعم كذلك إلا أن ذلك متروك بالعرف والعادة، فإن الناس مع وفور عقولهم يقدمون في عقد السلم، وما ذاك إلا لفائدة زائدة رأوها فيه، فكان النقد
(١) في الأصل: (فيه)، والمثبت من النسخة الثانية. (٢) انظر: الدر المختار (٥/ ٢٢٢). (٣) انظر: مغني المحتاج (٣/٦).