إلا أنا نقول: البدل في الكتابة معقود به لا معقود عليه، والقدرة على تسليم المعقود به ليس بشرط كالثمن في البيع.
فأما المسلم فيه فمعقود عليه فتشترط القدرة على تسليمه كما في بيع العين، ولأن الكتابة إرفاق، فالظاهر أن المولى لا يضيق عليه في المطالبة بالبدل، وأما السلم فعقد تجارة وهو مبني على الضيق، فالظاهر أنه يطالبه بالتسليم عقيب العقد وهو عاجز عن ذلك؛ فلهذا لم يجوزه إلا مؤجلًا.
فإن قيل: لو كان شرعية السلم (١) دفعًا لحاجة المفاليس لاختص بحالة الإفلاس؛ لأنه ثبت على خلاف القياس فيقصر عليه، وليس كذلك، ألا ترى أنه يجوز بيع الحنطة سلمًا وعنده أكرار حنطة.
قلنا: إن الشيء لا يُباع سلمًا إلا بأدنى الثمنين، [والتاجر لا يبيع إلا للربح، فدل البيع بأدنى الثمنين](٢) على أنه لا يبيع إلا للعجز عن الرابح، ولا عجز بأن يجعل ما عنده مستغرقًا لحاجته، ولأن حقيقة العدم أمر باطن لا يمكن الوقوف عليه حقيقة، والشرع بنى هذه الرخصة على العدم، فينبني على السبب الظاهر الدال على العدم ليمكننا تعليق الحكم به، والبيع بالخسران دليل على العدم.
فإن قيل: إنما سُمِّي السلم سلمًا؛ لما فيه من استعمال (٣) رأس المال.
قلنا: إن السلم اسم للمسلم فيه دون رأس المال فلا يكون الاسم مُبيِّنًا عمَّا ليس بمقصود في العقد، ولأنا اتفقنا على وجوب تسليم رأس المال أولًا [لأن قضية المعاوضة التسوية بين المتعاقدين](٤) في الملك.
والتسليم يعني لو كان أحد البدلين - وهو المسلم فيه - جائز التسليم عند الخصم في الحال ينبغي أن [يكون](٥) الحكم كذلك في رأس المال بأن يكون جائز التسليم لا واجب التسليم لمقتضى التسوية، ولم يكن كذلك، فعلم أن
(١) في الأصل: (الثمن)، والمثبت من النسخة الثانية. (٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية. (٣) في النسخة الثانية: (استعجال). (٤) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية. (٥) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.