وفي الفوائد الحميدية: في هذه المسألة يتراءى (١) أن الشافعي ترك أصله، حيث لم يحمل المطلق على المقيد، وأصحابنا كذلك حتى حملوا المطلق على المقيد، فالتقصي عن هذا أن نقول:
أما عند الشافعي: إنما يحمل إذا لم تختلف الأصول، وهاهنا اختلفت، فلا يحمل كما في صوم كفارة اليمين، وبيان اختلافها: أن البيع يجوز حالا ومؤجلا، فبالنظر إلى البيع يجوز حالا ومؤجلا، وبالنظر إلى الكتابة لا يجوز إلا مؤجلا.
وأما عندنا: فإنما لا يُحمل إذا أمكن العمل بهما، وهاهنا الحكم والحادثة واحدة فلا يمكن العمل بهما؛ للتضاد، فإنه يستحيل أن يكون الشيء الواحد في زمان واحد ثابتا وغير ثابت، فإن قوله ﷺ:«مَنْ أَسْلَمَ» الحديث يقتضي جواز السَّلَم منحصرًا عليه كما بينا، فحينئذ لا يمكن إجراء المطلق على إطلاقه، وأما السَّلَم في المذروع والمعدود فبدلالة النص؛ لأنهما في معنى المنصوص من كل وجه، بخلاف الحال والمؤجل. كذا قيل.
قوله:(دَفْعًا لِحَاجَةِ الْمَفَالِيسِ)، وفي المبسوط (٢) والأسرار: قوله ﷺ: «وَرَخّصَ فِي السَّلَم»، دلَّ أن الأصل في باب السَّلَم الفساد، وإنما أبيح رخصةً؛ لأن الرخصة ما استبيح مع قيام المحرم تيسيرًا على العباد، وكل الأعذار للعباد في العجز، والعجز في باب السَّلَم حاجة الفقير إلى ثمن السلعة لعسرته، والعجز بسبب المعدوم لا يرتفع إلا بالتمليك، وذلك لا يحصل عادة إلا بزمان يتكسب فيه، أو مجيء حين الحصاد، فلم يُبح ذلك إلا بأجل ليتمكن فيه من التكسب فيقدر على التسليم، فصار الأجل شرطًا لا بعينه، بل للقدرة على التسليم كما قال الشافعي في الكتابة.
(١) في الأصل: (أي)، والمثبت من النسخة الثانية. (٢) المبسوط للسرخسي (١٢/ ١٢٦، ١٢٧).