للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الجَهَالَةَ اليَسِيرَةَ مُتَحَمَّلَةٌ فِي الكَفَالَةِ وَهَذِهِ الجَهَالَةُ يَسِيرَةٌ

فأما عائشة كانت تقول: وقت خروج العطاء معلوم بالعرف لا يتأخر الخروج عنه إلا نادرًا؛ فكان هذا بيعا بأجل معلوم، وذلك أن في عصرها الخلفاء الراشدين وكانوا لا يخلفون الميعاد في العطاء فلم يتغير الوقت فكان الأجل معلوما.

وفي زماننا بخلافه فصار مجهولا وأخذنا بقول ابن عباس؛ لأن العطاء فعل العباد قد يتقدم وقد يتأخر بحسب ما يبدو لهم، والآجال بالأوقات دون الأفعال، قال تعالى: ﴿هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٩].

والشرط؛ إعلام الأجل في البيع ببدل مؤجل كما قال : «إِلَى أَجَلٍ معلوم» (١) وإعلام الأجل يكون بما لا يتقدم ولا يتأخر من الأيام والشهور؛ فأما ما يتقدم وما يتأخر من أفعال العباد يكون مجهولا، وكذا الحصاد قد يتقدم، وقد يتأخر بتعجيل الحَرِّ وبطء البرد، وكذلك الجزاز والدياس، وقدوم الحاج فعل العباد، قد يتقدم وقد يتأخر.

قوله: (متحملة في الكفالة)؛ لأن مبناها على التسامح والتساهل لكونها عقد تبرع، ومعنى البيع على المماكسة والمضايقة؛ فتحملت الجهالة اليسيرة في الكفالة دون البيع، ولأن الكفالة تشبه النذر ابتداء من حيث إنها إلزام محض من غير أن يقابله شيء، وفي النذر تتحمل الجهالة وإن فحشت.

وتشبه المعاوضة انتهاء؛ باعتبار الرجوع إلى المكفول عنه، ولا تتحمل الجهالة في المعاوضات، وإن قلت: فقلنا: تتحمل الجهالة اليسيرة دون الفاحشة عملا بالشبهين، وفي العكس لا يكون عملا بهما، كذا في الفوائد الشاهية.

وإنما ذكر الكفالة للفرق؛ يعني أن الكفالة بمنزلة التأجيل من حيث إن كل واحد تبرع؛ فينبغي أن لا تجوز الكفالة إلى هذه الأوقات أو يجوز التأجيل إليها.

فإن قيل: كون (الجهالة اليسيرة) متحمّلة في موضع لا يدل على أن يكون


(١) جزء من حديث أخرجه (٣/ ٨٥) رقم (٢٢٤٠) ومسلم (٣/ ١٢٢٦ رقم ١٦٠٤) من حديث ابن عباس .

<<  <  ج: ص:  >  >>