للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فَالحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرنَاهُ، وَتَفْسِيرُ المَبِيعِ نَسَمَة، أَنْ يُبَاعَ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُعتِقُهُ لَا أَنْ يَشْتَرِطَ فِيهِ، فَلَو أَعْتَقَهُ المُشتَرِي بَعدَمَا اشْتَرَاهُ بِشَرطِ العِتقِ صَحَ البَيعُ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَالَا: يَبْقَى فَاسِدًا حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ القِيمَةُ (*)؛ لِأَنَّ البَيعَ قَدْ وَقَعَ فَاسِدًا فَلَا يَنْقَلِبُ جَائِزًا كَمَا إِذَا تَلِفَ بِوَجْهِ آخَرَ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ : أَنَّ شَرط العِتقِ مِنْ حَيثُ ذَاتُهِ لَا يُلَائِمُ العَقدَ عَلَى مَا ذَكَرنَاهُ، وَلَكِن مِنْ حَيثُ حُكمُه يُلَائِمُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُ لِلمِلكِ وَالشَّيْءُ بِانتِهَائِهِ يَتَقَرَّرُ، وَلِهَذَا لَا يَمْنَعُ العِلْقُ الرُّجُوعَ بِنُقصَانِ العَيبِ،

لما هو تعرض للعتق فعوملت معاملة الأسماء المتضمنة لمعنى الأفعال كذا في المُغرِب (١).

وتمسك الشافعي بحديث بريرة أيضًا كما بيناه، وبالمعقول فقال: إن العتق في المبيع قبض، حتى إذا أعتق المشتري قبل القبض يصير قابضًا، والقبض من أحكام العقد فكان الإعتاق شرطًا ملائما للعقد فلا يفسده.

(والحجة عليه) أي على الشافعي (ما ذكرناه) وهو قوله : «نَهَى عَنْ بَيْعٍ (٢) وَشَرْط» رواه أبو حنيفة (٣) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ، ولأن في هذا الشرط منفعة للمعقود عليه.

وهو من أهل الاستحقاق والعقد لا يقتضيه فيفسده، كما لو شرط ألا يبيعه أو شرط أن تُستَولَد الجارية أو يُدَبَّرَ العبد فإن العقد فاسد بالإجماع؛ لما فيه من منفعة المعقود عليه والعقد لا يقتضيه فكذا هذا.

وأما تأويل حديث عائشة؛ أنها اشترت بريرة مطلقا، ووعدت لها أن تعتقها لما جاءتها تستعينها في المكاتبة؛ لترضى هي بذلك فإن بيع المكاتبة لا يجوز بغير رضاها، ولأنه لم يكن في حديث بريرة شرط العتق فلم يكن حجة.

وأما دعواه أن هذا الشرط يلائم العقد، لا معنى له فإن البيع موجب للملك، والعتق مبطل له فكيف يكون بينهما ملائمة؟، وبيع العبد نسمة لا يكون بشرط العتق؛


(*) الراجح قول أبي حنيفة.
(١) المغرب (ص: ٤٦٣).
(٢) أخرجه أبو حنيفة في المسند (ص: ١٦٠).
(٣) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.

<<  <  ج: ص:  >  >>