للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بِالبَيعِ، وَلَا فَرقَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بَينَ لَبَنِ الحُرَّةِ وَالأَمَةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ : أَنَّهُ يَجُوزُ بَيعُ لَبَنِ الأَمَةِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ إِيرَادُ العَقدِ عَلَى نَفْسِهَا فَكَذَا عَلَى جُزئِهَا (*).

قُلْنَا: الرِّقُ قَدْ حَلَّ نَفْسَهَا، فَأَمَّا اللَّبَنُ فَلَا رِقَّ فِيهِ، لِأَنَّهُ يَحْتَصُّ بِمَحِلٌ يَتَحَقَّقُ فِيهِ القُوَّةُ الَّتِي هِيَ ضِدُّهُ وَهُوَ الحَيُّ وَلَا حَيَاةَ فِي اللَّبَنِ.

يجري فيه الشح والضنة فلا يكون محلا، وعلل شمس الأئمة وقال: لبن الآدمي في حكم المنفعة، ولهذا يجوز استحقاقه بعقد الإجارة، وبيع مثله لا يجوز. وإليه أشار ابن سماعة عن محمد.

فإن قيل: أجزاء الآدمي مضمونة، فكذا اللبن ينبغي أن يكون كذلك، والحال أنه لا يضمن بالإتلاف.

قلنا: أجزاء الآدمي لا تضمن بالإتلاف، بل يضمن ما انتقص من الأصل؛ ألا ترى أن الجرح إذا اتصل به سقط أرشه، وكذا السن إذا نبت، إلا ما يستوفى بالوطء فإنه مضمون وإن لم ينقص شيء من الأصل؛ تغليظا لباب البضع، وهذا لأن ما يستوفى بالوطء ملحق بالنفس حكمًا في حق الضمان؛ لأنه احترام للماء الذي تخلق به نفس، بخلاف من حز صوف شاة ولم ينبت آخر؛ حيث لم يسقط عنه ضمان الأول، وبإتلاف اللبن لا ينتقص من الأصل شيء فلا يضمن كذا في الأسرار، وفي تجويز بيع لبن الآدمية فساد؛ لأن حرمة المصاهرة تثبت به، فإذا لم يكن معلومًا يتمكن الفساد من الأنكحة بين الناس، والله لا يحب الفساد.

(على جزئها)؛ أي: جزء النفس؛ لأنه متولد منها فيأخذ حكمها.

(الرق حل نفسها)؛ يعني: البيع لا يجوز إلا فيما حل فيه الرق، والرق لا يحل اللبن (لأنه)؛ أي: الرق ضعف حكمي، فيختص بمحل القوة التي ضده وهو الحي؛ لأن الضدان يتعاقبان على موضوع واحد، ولا حياة في اللبن؛ لأنه جماد، فلا يكون محلا للرق؛ لأنهما مختلفتان مختصتان بالأحياء.

وأما قوله (إنه مشروب) (١)؛ فقلنا: ليس بمشروب على الإطلاق، بل


(*) الراجح: ظاهر الرواية.
(١) انظر ص ٨١٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>