للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وأما العرية التي فيها الرخصة: فهي العطية دون البيع، وبه قال مالك، قال للخراصين: «خَفِّفُوا فِي الخَرْصِ؛ فإنّ في المال العريّةُ والوَصِيَّةُ» (١)، والخروص لا تستحق التخفيف بسبب البيع، بل بسبب العطاء.

وتفسير العطية: أن يهب الرجل ثمرة نخله من بستانه لرجل، ثم يشق على المُعَرى دخول المُعَرى له في بستانه كل يوم، لكون أهله في بستانه، ولا يرضى من نفسه خلف الوعد والرجوع في الهبة، فيعطيه مكان ذلك تمرا مجذودًا بالخرص؛ ليدفع ضرره عن نفسه، ولا يكون مُخلِفًا للوعد، وهذا جائز عندنا؛ لأن الموهوب لم يصر ملكا للموهوب له ما دام متصلا بملك الواهب، فما يعطيه من التمر لا يكون عوضا عنه بل هبة مبتدأة، وإنما سمي ذلك بيعا مجازا؛ لأنه في الصورة عوض يعطيه للتحرز عن خلف الوعد.

واتفق أن ذلك فيما دون خمسة أوسق، فظن الراوي أن الرخصة مقصورة على هذا، فنقل كما وقع عنده. كذا أوّله عيسى بن أبان، وقال: الحمل على هذا أولى؛ ليبقى نهيه عن بيع التمر بالتمر على عمومه، وزيد بن ثابت قد أخبر أن العرية الهبة، حيث قال: "العرية: النخلة والنخلتان توهبان فيبيعها بخرصها تمرا " وهكذا نقل عن مالك.

ولا يقال: إذا كان تأويل الحديث ذلك لا يبقى لذكر الرخصة معنى؛ لأنا نقول: معنى الرخصة: أن يحبس ما أعرى ويعطي خرصه تمرا بدلًا مما وهبه، إذا وهبه من غير أن يكون إثمًا، ولا في حكم من أخلف وعده. كذا قيل.

وقد يقرن الشيء بالشيء وإن كان حكمهما مختلفا، والقياس معنا في المسألة؛ لأنه مكيلا بمكيل من جنسه، فلا يجوز بطريق الخرص، كما لو كانا موضوعين على الأرض، أو كانا على رؤوس النخيل، وكما في سائر المكيلات، فإنه لو باع الحنطة أو الشعير المستحصد بشعير أو حنطة مثله بطريق الخرص لا يجوز، فكذا هذا.


(١) أخرجه أبو داود في المراسيل (ص) ١٣٤ برقم (١١٨)، وبلفظ: «إذا خَرَصْتُم فَخُذُوا ودَعُوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث، فَدَعُوا الرُّبعَ» أخرجه أبو داود (٢/ ١١٠ برقم ١٦٠٥) والترمذي (٣/٢٦ برقم ٦٤٣) والحاكم (١/ ٥٦٠ برقم ١٤٦٤) من حديث سيدنا سهل بن أبي حشمة .
قال الترمذي: والعمل على حديث سهل بن أبي حثمة عند أكثر أهل العلم في الخرص.

<<  <  ج: ص:  >  >>