للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وَيَنبَغِي أَنْ يُعَرِّفَهَا فِي المَوضِعِ الَّذِي أَصَابَهَا. وَفِي الجَامِعِ: فَإِنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إِلَى الوُصُولِ إِلَى صَاحِبِهَا، وَإِنْ كَانَتْ اللُّقَطَةُ شَيْئًا يُعلَمُ أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَطْلُبُهَا كَالنَّوَاةِ وَقُشُورِ الرُّمَّانِ، يَكُونُ إِلقَاؤُهُ إِبَاحَة، حَتَّى جَازَ الانتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَعرِيف، وَلَكِنَّهُ مُبقَى عَلَى مِلكِ مَالِكِهِ، لِأَنَّ التَّمْلِيكَ مِنْ المَجْهُولِ لَا يَصِحُّ.

قوله: (كالنواة وقشور الرمان)؛ أي: في مواضع مختلفة لو وجد من ذلك شيئًا كثيرًا فجمعها، وصار بحكم الكثرة لها قيمة؛ لا بأس بالانتفاع بها؛ لأن كل واحد لا قيمة له، وإنما ظهرت القيمة بصنعه وهو جمعه، وقد روي أنه رأى تمرة على الطريق، فقال: «لَوْلَا أَنْ تَكونَ تَمْرَ الصَّدقة لأكلتُها» (١)، وقد روي ذلك عن عمر وعلي وابن عمر وعائشة، ولا يُعلم فيه خلاف بين أهل العلم، إلا أن عند مالك: يجوز أكل الطعام أيضًا وإن كان له قيمة.

قوله: (ولكنه)؛ أي: الشيء اليسير كالنواة (مبقى على ملك مالكه) فإذا وجده مالكه في يده فله أن يأخذه؛ لأنه عين ملكه، إذ بإلقائه يبيح الانتفاع للواجد، ولم يكن تمليكا منه؛ إذ التمليك في المجهول لا يصح، وملك المبيح لا يزول بالإباحة.

وذكر شيخ الإسلام: ولو كانت متفرقة فجمعها؛ ليس للمالك أخذها بعد الجمع؛ لأنه يصير ملكا للآخذ بالجمع. وكذا الجواب في التقاط السنابل، وبه كان يفتي الصدر الشهيد. كذا في الذخيرة.

وفي المحيط: لو وجد النواة والقشور في أماكن متفرقة يجوز الانتفاع بها؛ لأن صاحبها لما جمعها فالظاهر أنه ما ألقاها، بل سقطت منه.

وفي المبسوط: رُوي عن بشر عن أبي يوسف: لو جز صوف شاة ميتة ملقاة كان له أن ينتفع به، ولو وجده صاحب الدار في يده كان له أن يأخذه منه، ولو دبغ جلدها كان لصاحبها أن يأخذ الجلد منه بعدما يعطيه ما زاد الدباغ فيه؛ لأنه ملكه لم يزل بالاتفاق، والصوف مال متقوم بلا اتصال بشيء، وله أن يأخذه


(١) أخرجه البخاري (٣/ ٥٤) برقم (٢٠٥٥)، ومسلم (٢/ ٧٥٢) برقم (١٠٧١) من حديث أنس بن مالك .

<<  <  ج: ص:  >  >>