للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وإنما فرض لإعزاز دين الله ودفع الشر عن العباد، فإذا حصل المقصود بالبعض سقط عن الباقين كصلاة الجنازة ورد السلام (فإن لم يقم به أحد أثم جميع الناس بتركه) لأن الوجوب على الكل، ولأن في استغال الكل به قطع مادة الجهاد من الكراع والسلاح، فيجب على الكفاية (إلا أن يكون النفير عاما) فحينئذ يصير من

بفرض؛ أي عين في كل زمان، وكذا يحمل على هذا قول عطاء وعمرو بن دينار أنهما قالا: ما علمناه؛ أي من الفروض الأعيان.

قلنا: فرض كفاية لقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ [التوبة: ١٢٢] الآية فإنها تدل على الكفاية، ولقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]، ولو كان فرضا على الجميع لما وعد الحسنى لتاركه، ولأنه لو فرض على الأعيان؛ لاشتغل الناس عن العمارة وطلب المعاش والعلم؛ فيؤدي إلى خراب الأرض.

قوله: (وإعزاز الدين ودفع الشر عن العباد)، وإليه وقعت الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَقَتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩].

قوله: (إلا أن يكون النفير عاما)، وفي الإيضاح: إنما يسقط عن البعض إذا حصل به الكفاية، وإذا لم يحصل تعين الفرض على الكل، وشرط ذلك من كان فيه غناء ودفاع؛ لأن من لا ينتفع به فهو عاجز عن إقامة الفرض، والتكليف لا يتأتى مع العجز كما في سائر العبادات.

وفي الذخيرة (١): عند النفير يصير فرض عين على من يقرب من العدو، وهم يقدرون على الجهاد، فأما من عداهم من البعد ففي حقهم فرض كفاية إذا لم يحتج فإذا احتيج إليهم؛ بأن عجز القريب أو تكاسل ولم يجاهد، يصير فرضا على من يليهم فرض عين ثم، وثم إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام شرقا وغربا على هذا التدريج؛ كالصلاة على الميت تجب على أهل محلته، ولا تجب على من بعد عن الميت إلا إذا علم [أن] (٢) أهل المحلة يضيعونه أو عاجزون عن إقامة أسبابه، ثم يستوي المستنفر عدلا أو فاسقا.

و (النفير): من نفر القوم في الأمر أو إلى الثغر نفرا ونفيرا؛ أي خرجوا.


(١) انظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للفخر الزيلعي (٣/ ٢٤٢).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.

<<  <  ج: ص:  >  >>