دار الإسلام حديث عائشة، وذلك أن أسباب الحدود لا تعرف قياسا؛ بل تعرف بالنص أو بدلالة أو بالإجماع، ولم يوجد واحد منها في هذه الأشياء، أما الإجماع والنص فظاهران.
وكذا دلالته؛ لأن النص إنما ورد في الأشياء المقدرة بثمن المجن، وهي أموال نفيسة لا توجد مباح الأصل في دار الإسلام؛ إذ كل ما يوجد مباح الأصل في دار الإسلام حقير عرفًا، ولهذا بعد الضّنَّة، وإظهار الرغبة من باب الخساسة، ولا يوجد أخذه بكره من مالكه غالبا؛ فلا يحتاج فيه إلى شرع (الزاجر) وشرعية الحدود للزجر.
ولأنه لما كان مباح الأصل تافها جنسًا يقل خطره وقلة الخطر تمنع القطع كالتافه قدرًا وهو ما دون النصاب، ولأن (الخشب يلقى)(١) في القوارع، وإنما يدخل في البيوت لإصلاحها (لا للإحراز)(٢) فاختل إحرازه.
أما الذهب والفضة واللؤلؤ والجوهر فقد روى هشام عن محمد؛ إذا سرقها على الصورة التي توجد مباحة وهو المختلط بالحجر والتراب لا يقطع.
وفي ظاهر المذهب يقطع؛ لأنه ليس بتافه جنسًا فإن كل من يتمكن من أخذه لا يتركه، ويتم إحرازه عادة بخلاف ما ذكرنا من الأشياء فإن من يتمكن من أخذها لا يرغب فيها، ولا يتم إحرازها، ألا ترى أن الناس لا يحرزون الزرنيخ والنورة والجص والقصب والحشيش ونحوها؛ بل يلقونها على الأبواب.
ولا يقال: عدم الإحراز والمبالغة فيه ناشئة عن كثرتها، لا لمعنى في نفسها راجع في ذاتها؛ لأنا نقول زوال الخطر عن العين تارة يكون لقلتها كما في دون النصاب، وتارة يكون لحقارته في الطباع لا أن يكون كثير الوجود
= حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رفعه: «الصيد لمن أخذه لا لمن أثاره»، وأن أخرى حدثته عن مالك، عن الزهري، عن عبد الله بن ظالم، عن سعيد بن زيد رفعه: «من أحيا أرضا ميتة فهي له» فالحديث الأول لا أصل له بهذا الإسناد ولا بغيره، وأما الثاني فقد تقدم من وجه آخر عن سعيد ابن زيد وغيره، والحكاية موضوعة. الدراية (٢/ ٢٥٦). (١) انظر ص ١٥٨. (٢) انظر ١٥٨.