للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

(وَمَنْ حَدَّهُ الإِمَامُ أَوْ عَزَّرَهُ فَمَاتَ فَدَمُهُ هَدَرٌ) لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا فَعَلَ بِأَمْرِ الشَّرِعِ،

فيصير كل شارب جامعًا بين الشرب والقذف، فيتحقق منه جنايتان، وهو الشرب والقذف، ومن القاذف جناية واحدة، فلهذا كان ضربه أخف من ضرب الشارب، وإن كان منصوصًا.

قوله: (فدمه هَدَرٌ) وبه قال محمد ومالك إلا أن مالكًا قال: إذا ضربه تعزير مثله لا يضمن، وقال الشافعي: يضمن، وفي محل الضمان قولان:

أحدهما: في بيت المال؛ لأنه عامل المسلمين، فيكون غُرْم عمله في مالهم.

والثاني: على عاقلة الإمام؛ لأن أصل التعزير غير واجب عليه، والضرب غير متعين للتعزير، فيكون فعله مباحًا بشرط السلامة، ولم توجد، فتجب على عاقلته.

وقلنا: الإمام مأمور بالحد والتعزير، وفعل المأمور لا يتقيد بشرط السلامة، كما في الفصاد والبزاغ؛ لأن الأمر طلب الفعل من المأمور، وهو إثباتي، والإثباتات غير قابلة للتعليق بالشرط؛ لأنه حينئذ يشبه القمار، فلهذا لا يتقيد بشرط السلامة؛ لأن المأمور يأتي بما في وسعه غير مراقب لوصف السلامة؛ لأنه قد لا يتحقق وصف السلامة، فيبقى المأمور في ضرر الوجوب.

بخلاف المباحات، فإنها رفع القيد، فكان من جنس الإسقاطات، وهي قابلة للتعليق، ولأن فعل المباح في اختيار فاعله إن شاء فعل وإن شاء لا، فيتقيد بوصف السلامة؛ لأنه ضرورة في ترك وصف السلامة، كالمرور في الطريق والاصطياد، بخلاف ما لو جامع امرأته فماتت أو أفضاها حيث لا يضمن عند أبي حنيفة وأبي يوسف.

ذكره في المحيط، مع أنه مباح، فينبغي أن يتقيد بشرط السلامة؛ لأنه ضمن المهر بذلك الجماع، فلو وجبت الدية يجب ضمانان بمقابلة فعل واحد أو مضمون واحد، وهو منافع البضع، ولهذا لو عزر زوجته فماتت يضمن؛ لأن ذا مباح، ومنفعته ترجع إلى الزوج لا إلى المرأة، فيتقيد بشرط السلامة، فعلى هذا

<<  <  ج: ص:  >  >>