للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لِلتَّيَقُنِ بِنَفْيِهِ. وَقِيلَ: فِي عُرفِنَا يُعَزَّرُ، لِأَنَّهُ يُعَدُّ شَيْئًا، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ المَسبُوبُ مِنَ الأَشْرَافِ كَالفُقَهَاءِ وَالعَلَوِيَّةِ يُعَزَّرُ، لِأَنَّهُ يَلحَقُهُم الوَحشَةُ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مِنَ العَامَّةِ لَا يُعَزَّرُ، وَهَذَا أَحْسَنُ.

وَالتَّعزِيرُ: أَكثَرُهُ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ سَوطًا،

قوله: (لِلتَّيَقُنِ بِنَفْيِهِ) فإنه يعلم أنه آدمي وليس بحمار، وأن القاذف كاذب، وكذا لو قال: يا كلب، فلا يلحق المقذوف بهذا الكلام شين، بل يلحق الكاذب بالتيقن بكذبه، ولأن من عادة العرب إطلاق هذه الألفاظ بمعنى البلادة أو الحرص ولا يريدون به الشتمة.

ألا ترون أنهم يسمون به يقولوعياض بن حمار، وسفيان الثوري، والكلبي ونحوه.

قوله: (وقيل: في عرفنا يُعزّر) قاله الهندواني: لأن هذه الألفاظ تذكر للشتمة في ديارنا.

قوله: (أَكْثَرُهُ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ) وبه قال الشافعي في الحر، وقال في العبد: تسعة عشر سوطا؛ لأن حد الخمر في العبد عشرون عنده فلا يبلغ حدا. وقال مالك: لا حد لأكثره، فيجوز للإمام أن يزيد التعزير على الحد إذا رأى المصلحة في ذلك؛ لما روي أن معن بن زائدة عمل خاتما على نقش بيت المال، فأخذ منه مالا، فبلغ عمره ذلك فضربه مائة وحبسه، وكلم فيه فضربه مائة أخرى، فكلم فيه من بعد فضربه مائة ونفاه.

وروى أحمد بإسناده أن عليًّا أُتِيَ بالنجاشي قد شرب خمرا في رمضان، فجلده ثمانين للشرب، وعشرين سوطًا لفطره في رمضان.

ولنا قوله : «مَنْ بَلَغَ حَدًّا في غَيْرِ حَدٌ … » الحديث (١)، ولأن العقوبة على قدر الجناية، فالمعاصي المنصوص على حدودها أعظم من غيرها، فلا يجوز أن يبلغ في أهون الأمرين عقوبة أعظمها، ولأن الزنا مع عظمه وفحشه لا يجوز أن يزاد على حده، فما دونه أولى.


(١) تقدم تخريجه قريبا.

<<  <  ج: ص:  >  >>