للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَلَهُ: أَنَّهُ يُؤْخَذُ فِي أَسبَابِ الحُدُودِ بِأَقصَاهَا دَرْءاً لِلحَدٌ. وَنِهَايَةُ السَّكَرَانِ يَغْلِبُ السُّرُورُ عَلَى العَقلِ فَيَسلُبُهُ التَّمِيزَ بَينَ شَيْءٍ وَشَيْءٍ، وَمَا دُونَ ذَلِكَ لَا يَعرَى عَنْ شُبْهَةِ الصحو، وَالمُعتَبَرُ فِي القَدَحِ المُسكِرُ فِي حَقِّ الحُرمَةِ مَا قَالَاهُ بِالإِجْمَاعِ، أَخذَا بالاحتِيَاطِ، وَالشَّافِعِيُّ يَعتَبِرُ ظُهُورَ أَثَرِهِ فِي مِشيَتِهِ وَحَرَكَاتِهِ وَأَطْرَافِهِ وَهَذَا مِمَّا يَتَفَاوَتُ فَلَا مَعنَى لِاعْتِبَارِهِ.

(وَلَا يُحَدُّ السَّكَرَانُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ)

أتى بسكران إلى أمير بلخ، فأمره الأمير أن يقرأ هذه السورة، فقال السكران: اقرأ أنت سورة الفاتحة، فلما قال الأمير: الحمد لله، قال له السكران: قف، أخطأت من وجهين.

أحدهما: أنك تركت التعوذ عند افتتاح القراءة.

والثاني: تركت التسمية، وهي آية من الفاتحة عند بعض الأئمة والقراء، فخجل الأمير وجعل يضرب الشرطي ويقول: أمرتك أن تأتيني بسكران فأتيتني بمقرئ بلخ.

وقوله: (وله) أي: لأبي حنيفة أن الحد عقوبة فاعتبرت النهاية في سببه احتيالا للدرء ونهاية السكر، إلى آخره، يؤيده قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] عبر عن الصحو بعلم ما يقولون، فكان السكر الذي هو ضده أن لا يعلم ما يقول، ولهذا يقول في السكر الذي يحرم عنده الشرب أن المعتبر اختلاط الكلام، وفي الحد يؤخذ بالاحتياط في الدرء، فتعتبر النهاية، وهذا معنى قوله: (أخذاً بالاحتياط) أي: في الصورتين.

قوله: (وهذا) أي: ظهور الأثر في المشية (مما يتفاوت) فإن السكران ربما لا يتمايل في مشيته، والصاحي ربما يزلق أو يعثر في مشيته، فَيُرَى التمايل منه، فلم يكن ظهور الأثر في المشية دليلا على السكر.

قوله: (وَلَا يُحَدُّ السَّكْرَانُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ) أي: في الحدود الخالصة، كحد الزنا وحد الشرب وحد السرقة، ولكن يضمن المسروق، ذكره في جامع العتابي (١).


(١) رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٥/ ٦٢٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>