للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لِزِيَادَةِ احْتِمَالِ الكَذِبِ فِي إِقْرَارِهِ فَيَحْتَالُ لِدَرئِهِ، لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ حَدٌ القَدْفِ، لِأَنَّ فِيهِ حَقَّ العَبدِ، وَالسَّكَرَانُ فِيهِ كَالصَّاحِي عُقُوبَة عَلَيْهِ، كَمَا فِي سَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ، وَلَو ارتَدَّ السَّكرَانُ لَا تَبِينُ مِنهُ امْرَأَتُهُ، لِأَنَّ الكُفْرَ مِنْ بَابِ الِاعْتِقَادِ فَلَا يَتَحَقَّقُ مَعَ السُّكر، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد (*) رحمهما الله، وفي ظاهر الرواية تكون ردة وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وقيد بالإقرار؛ لأنه لو زنى وسرق في حالة السكر يحد بعد الصحو، بخلاف الإقرار. ذكره في الذخيرة (١).

قوله: (لِزِيَادَةِ احتمال الكذب) لأنه يخيل العقل لا يقرّ على ما يقرّ، فكان السكر دليل الرجوع، ولأنه يتكلم صادقا وكاذبًا لسكره، بخلاف حد القذف فإنه يحبس حتى يصحو، ثم يحد للقذف، ثم يحبس حتى يخف منه الضرب، ثم يحد للسكر. ذكره في المبسوط (٢).

(لأن فيه) أي: في حد القذف (حق العبد) وكذا في القصاص وسائر الحقوق، وحق العبد لا يبطل بصريح الرجوع، فكيف بدليل الرجوع! فألحق بالصاحي فيها كما في سائر الحقوق من الإقرار بالمال والطلاق والعتاق وغيرها. قوله: (فلا يتحقق) أي: الاعتقاد مع السكر.

فإن قيل: الإسلام أيضًا من باب الاعتقاد، ويصح الإسلام حالة السكر، ولأن الكفر يتحقق مع إجراء كلمة الكفر طوعا وإن لم يتبدل اعتقاده في الصاحي، فعلم أن وجود الكفر لا يتوقف على تبدل الاعتقاد.

قلنا: السكران يميز بدليل توجه الخطاب عليه، وصحة طلاقه وعتاقه وسائر تصرفاته مع السكر؛ لأن السكر يختلط عقله ولا يتقيد، فاعتبرنا ذلك القدر من التمييز في إسلامه دون كفره؛ لأن الإسلام يعلو ولا يُعلى، كما في المكره، فإن إسلامه يصح دون ارتداده بدلل ما ذكر في التيسير في قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَرَى﴾ الآية.


(*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.
(١) رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (٥/ ٦٢٢).
(٢) المبسوط للسَّرَخْسِي (٣٢/٢٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>