للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عَلَى الشُّهُودِ خَيْرًا، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَثَنَوا عَلَى المَشْهُودِ عَلَيْهِ خَيْرًا بِأَنْ شَهِدُوا بِإِحْصَانِهِ. وَلَهُ: أَنَّ الشَّهَادَةَ إِنَّمَا تَصِيرُ حُجَّة عَامِلَة بِالتَّزْكِيَةِ، فَكَانَت التَّرْكِيَةُ فِي مَعنَى عِلَّةِ العِلَّةِ، فَيُضَافُ الحُكمُ إِلَيْهَا بِخِلَافِ شُهُودِ الإِحْصَانِ؛ لِأَنَّهُ مَحضُ الشَّرط. وَلَا فَرقَ بَينَ مَا إِذَا شَهِدُوا بِلَفظَةِ الشَّهَادَةِ أَوْ أَحْبَرُوا، وَهَذَا

بالرجوع إجماعًا، إلا على قول الشافعي في وجه وزفر، كما يجيء، لا يضمن المزكون أيضًا.

قوله: (وله) أي: لأبي حنيفة (حجة عاملة) إذ الشهادة في الحدود لا توجب شيئًا بلا تزكية، فصارت التزكية كعلة العلة، وهذا لأن التلف حصل بالقضاء، والقضاء بالشهادة؛ لأنهم ألزموا القاضي القضاء.

والشهادة إنما تعمل بالعدالة، وهي تثبت بالتزكية، فكانت التزكية كعلة التلف، وهي كالعلة في إضافة الحكم إليها؛ لما عرف، بخلاف الشهادة على الإحصان، فإن الشهادة عليه علامة أو شرط محض كما بين في الأصول؛ لأن الزنا موجبه العقوبة بدون الإحصان؛ إذ الإحصان نعمة مانعة من الزنا، فكيف يكون مؤثرًا في إيجاب الحد وداعيًا إليه.

أكثر ما في الباب أن قبيح الزنا يتغلظ عند وجود الإحصان، ولكن ذلك القبح لا يكون مضافًا إلى الإحصان، بل إلى كونه وضعا للكفران في موضع الشكر، ووضع الكفران وموضع الشكر لا يضاف إلى النعمة أصلا، بل النعمة شرط محض، أي: علامة كذا في الطريقة العلانية (١).

قوله: (شهدوا بلفظ الشهادة) بأن قالوا: نشهد بأنهم أحرار، وأخبروا بأن قالوا: هم أحرار.

(وهذا) أي: وجوب الضمان على قول أبي حنيفة، أما إذا قالوا هم عدول فقط.

وفي المحيط: إن المزكي بقوله: هم عدول لم يثبت ما له أثر في الإتلاف؛ لأنه أثبت مجرد العدالة، وبه لا تثبت ولاية الشهادة، فإن العبد قد يكون عدلًا


(١) ينظر: المبسوط للسَّرَخْسِي (٩/ ١١٠)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم الحنفي (١٣٨٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>