للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَعَنْ مُحَمَّد: أَنَّهُ قَدَّرَهُ بِشَهر؛ لِأَنَّ مَا دُونَهُ عَاجِلٌ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ الأَصَحٌ. وَهَذَا إِذَا لَم يَكُنْ بَينَ القَاضِي وَبَيْنَهُم مَسِيرَةُ شَهرٍ، أَمَّا إِذَا كَانَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُم؛ لِأَنَّ المَانِعَ بُعدُهُم عَنْ الإِمَامِ فَلَا تَتَحَقَّقُ التَّهَمَةُ. وَالتَّقَادُمُ فِي حَدٌ الشَّرْبِ كَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّد، وَعِندَهُمَا: يُقَدَّرُ بِزَوَالِ الرَّائِحَةِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَإِذَا شَهِدُوا عَلَى رَجُل أَنَّهُ زَنَى بِفُلَانَةِ، وَفُلَانَةٌ غَائِبَةٌ فَإِنَّهُ يُحَدُّ، وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُ سَرَقَ مِنْ فُلَان وَهُوَ غَائِبٌ، لَم يُقطَع وَالفَرقُ: أَنَّ بِالغَيْبَةِ تَنعَدِمُ الدَّعَوَى وَهِيَ شَرطٌ فِي السَّرِقَةِ دُونَ الزِّنَا، وَبِالحُضُورِ يُتَوَهَّمُ دَعْوَى الشُّبْهَةِ وَلَا مُعتَبَرَ بِالمَوهُومِ وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَة لَا يَعرِفُونَهَا، لَم يُحَدَّ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ أَوْ

(لأن ما دونه) أي: ما دون الشهر (عاجل) كما في مسألة اليمين في قوله: (لَيَقْضِيَنَّ حَقَّه عاجلًا).

وفي حلية العلماء (١): قال حسن بن زياد قدر أبو حنيفة التقادم بسنة، وما وجدت هذه الرواية في كتب أصحابنا المشهورة.

قوله: (وإذا شهدوا) إلى قوله: (فإنه يحد) وبه قالت الأئمة الثلاثة.

ولو أقر بالزنا بغائبة يحد الرجل استحسانًا أيضًا عن الكل؛ لحديث ماعز، فإنه رجمه بالإقرار بالزنا بغائبة.

قوله: (ولا معتبر بالموهوم) جواب سؤال، وهو أن يقال: ينبغي ألا تحد؛ لأنها لو حضرت ربما تدعي النكاح، ويحتمل ألا تدعي على تقدير الدعوة تصير شبهة، فباحتمال الدعوة تثبت شبهة الشبهة، وهي غير معتبرة؛ لما في اعتباره سد باب الحد، وهو مفتوح فيكون مردودا؛ إذ لا نهاية له.

ألا ترى أن الحد يثبت بالإقرار والشهادة مع احتمال الرجوع فيها؛ إذ بالرجوع في الإقرار والشهادة تثبت الشبهة، وباحتمالهما تثبت شبهة الشبهة.

فإن قيل: القود إذا كان بين شريكين وأحدهما غائب - لا يتمكن الحاضر من استيفائه؛ لاحتمال العفو من الغائب.


(١) حلية العلماء للشاشي (٨/٣١).

<<  <  ج: ص:  >  >>