للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَاختَلَفُوا فِي حَدِّ التَّقَادُمِ، وَأَشَارَ فِي الجَامِعِ الصَّغِيرِ إِلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: بَعدَ حِين، وَهَكَذَا أَشَارَ الطَّحَاوِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَم يُقَدِّر فِي ذَلِكَ وَفَوَّضَهُ إِلَى رَأي القَاضِي فِي كُلِّ عَصر.

وقلنا: الإمضاء من القضاء في الحدود لو هرب قبل القضاء يسقط، وكذا قبل الإمضاء. وشرحه ما ذكر في المبسوط (١) في مسألة ما إذا رجع أحد الشهود قبل القضاء قبل استيفاء الحد، فإنه يسقط الحد عن المشهود عليه، وبه قالت الأئمة الثلاثة، ويقام الحد على المشهود عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن رجوع أحدهم بعد القضاء كرجوعه قبل القضاء، بدليل سقوط الحد عن المشهود عليه، ولا يكون ذلك إلا بعد إبطال الحكم. وتحقيقه أن المقصود في حقوق العباد من القضاء إما إعلام من له الحق بحقه أو لتمكينه من الاستيفاء، وهذان المعنيان يحصلان بمجرد القضاء، فلم يتوقف تمامه إلى الاستيفاء، فلذلك كان الاستيفاء من تتمة القضاء.

وفي الفوائد الظهيرية: المقصود من التلفظ بلفظ القضاء إما الإعلام أو الإقرار كما ذكرنا في حقوق العباد، وفي حق الله تعالى لا حاجة إليهما؛ لعلمه وقدرته، والقاضي يستفيد العلم بالشهادة، ولا تمس الحاجة إلى التلفظ بلفظ القضاء. ولهما؛ يجوز له الاستيفاء بدون التلفظ بلفظ القضاء، فإذا كان كذلك كان قيام الشهادة شرطًا حالة الاستيفاء كما كان شرطًا حالة القضاء إجماعًا، ولم تبق بالتقادم الشهادة.

قوله (فإنه) أي: محمد (قال: بعد حين) واسم الحين عند الإطلاق ينصرف إلى ستة أشهر، كما بيناه في مسألة (لا آكله). قوله: (وفوضه) أي: أبو حنيفة تقدير التقادم (إلى رأي القاضي) لما أن التقادم يختلف بالأحوال والأعصار، فيفوض إلى رأي القاضي فيما يعد تفريطا وفيما لا يعد؛ لأن نصب المقادير بالرأي لا يمكن. كذا في المحيط.


(١) المبسوط للسَّرَخْسِي (٩/ ٦٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>