للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا مَرَّ، وَإِنَّمَا شُرِطَت لِلمَالِ، وَلِأَنَّ الحُكمَ يُدَارُ عَلَى كَونِ الحَدِّ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يُعتَبَرُ وُجُودُ التُّهمَةِ فِي كُلِّ فَرد، وَلِأَنَّ السَّرِقَةَ تُقَامُ عَلَى الاسْتِسرَارِ عَلَى غِرَّةٍ مِنْ المَالِكِ، فَيَجِبُ عَلَى الشَّاهِدِ إِعْلَامُهُ، فَبِالكِتمَانِ يَصِيرُ فَاسِقًا آثِمًا، ثُمَّ التَّقَادُمُ كَمَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ فِي الابْتِدَاءِ يَمْنَعُ الإِقَامَةَ بَعدَ القَضَاءِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ، حَتَّى لَو هَرَبَ بَعدَ مَا ضُرِبَ بَعضَ الحَدٌ ثُمَّ أُخِذَ بَعدَ مَا تَقَادَمَ الزَّمَانُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الحَدُّ، لِأَنَّ الإِمْضَاءَ مِنْ القَضَاءِ فِي بَابِ الحُدُودِ.

المشقة، فكذلك هاهنا لما أقيم صورة التقادم مقام التهمة أو الفسق في حقوق الله تعالى أثبتنا المنع من القبول بصورة التقادم وإن لم توجد التهمة أو الفسق. إليه أشار فخر الإسلام في جامعه.

وفي جامع قاضي خان (١): إنما لا تقبل في السرقة بعد التقادم لا لتهمة في الشهود؛ لأن الدعوى شرط للقبول، (٢) بل لخلل في الدعوى، فإن صاحب المال كان مخيرًا في الابتداء بين دعوى السرقة ودعوى المال مطلقًا سترًا على السارق، فإذا أخر الدعوى فقد اختار الستر، فلم يبق له حق دعوى السرقة والحد، وبقي له حق دعوى المال، فيقضي بالمال دون القطع، كما لو شهد على السرقة رجل وامرأتان يقضى بالمال لا القطع.

قوله: (على غرة) أي: غفلة أداء السرقة يكون في ظلم الليالي غالبًا، والمسروق منه لا يعرف الشاهد حتى يستشهد به، فيجب على الشاهد إعلام المسروق منه بشهادتها، فإذا كتمه صار فاسقًا فترد شهادته، بخلاف القذف، فإنه يكون في النهار غالبًا، فيعرف المقذوف الشاهد ويراه، فإذا لم يعلمه لا يصير فاسقا.

قوله: (خلافًا لزفر) فإنه عنده يحد، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك، وعند الأئمة الثلاثة لو شهدوا وغابوا وماتوا يجوز الحكم بشهادتهم، وعندنا لا يجوز؛ لأن التأخير بعذر هربه.


(١) ينظر: النهر الفائق شرح كنز الدقائق لعمر بن إبراهيم بن نجيم الحنفي (٣/ ١٤٣).
(٢) حدث اضطراب في ترقيم الصفحات فجاء هذا الوجه بعد الورقة رقم [٥٧٦/ أ].

<<  <  ج: ص:  >  >>