ولنا ما روي عن عمر ﵁ قال: أيما قوم شهدوا على أحد لم يشهدوا عند حضرته فإنما هم شهود ضغن لا شهادة لهم.
فإن قيل: إنما قال ذلك؛ لأنه شهادة على شهادة، ويحتمل قوله: لم يشهدوا عند حضرته، أي: لم يكونوا حاضرين عند الزنا.
قلنا: علل عمر ﵁ لذلك؛ لأنهم شهود ضغن ولهذا يبطل ما قيل من المعنى، إذ لو كان كذلك لقال: إنه الشهادة على الشهادة، كذا قيل.
والمعنى أن الشاهد متى عاين الزنا ونحوه فهو مخير بين حسبتين: حسبة أداء الشهادة؛ ليقام الحد فيحصل الانزجار، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] وحسبة الستر على المسلم بالامتناع عن الشهادة، فإن الشرع ندبنا إلى الستر، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ١٩] وقال ﵇: «مَنْ سَترَ على أخيه عورةً ستَرَ اللهُ عَلَيْهِ عَوراتِهِ يوم القيامة»(١).
فتأخرهم لا يخلو إما أن كان للستر مع إمكان الأداء أو لا للستر، فإن كان للستر فالإقدام بعد ذلك لضغنة أو لعداوة فيهم، فيتهم فيها، ولا شهادة للمتهم، قال ﵇:«لا تُقْبَلُ شهادة خصم ولا ظِنِّين»(٢) والمراد بالظنين: المتهم.
وإن كان التأخير لا للستر صاروا فَسَقَةٌ آثمين؛ لأن أداء الشهادة واجب، وتأخير الواجب لا لغرض السفر فسق، ولهذا لو طلب المدعي الشهادة في حقوق العباد، فأخر الشاهد بلا عذر ثم أدى لا تقبل شهادة؛ لترك الأداء مع إمكانه، فتيقنا بالمانع من القبول، فلا تقبل.
(١) أخرجه ابن ماجه (٢/ ٨٥٠ رقم ٢٥٤٦) من حديث ابن عباس ﵁ قال البوصيري في مصباح الزجاجة (٣/ ١٠٤ رقم ٩٠٨): في إسناده محمد بن عثمان بن صفوان الجمحي قال فيه أبو حاتم منكر الحديث ضعيف الحديث، وقال الدارقطني: ليس بقوي، وذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجال الإسناد ثقات، وله شاهد من حديث أبي هريرة رواه مسلم في صحيحه وأصحاب السنن ورواه الترمذي من حديث ابن عمر. (٢) قال ابن الملقن في البدر المنير (٩/ ٦٥٥): هذا الحديث غريب من هذا الوجه لم أقف على من خرجه. ورواه مالك في الموطأ (٢/ ٧٢٠) من قول عمر ﵁.