للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الفَاعِلِ كَالرَّاضِيَةِ فِي مَعنَى المَرضِيَّةِ، أَوْ لِكَونِهَا مُسَبِّبَة بِالتَّمْكِينِ فَتَعَلَّقَ الحَدُّ فِي حَقَّهَا بِالتَّمْكِينِ مِنْ قَبِيحِ الزِّنَا، وَهُوَ فِعلُ مَنْ هُوَ مُخَاطَبٌ بِالكَفِّ عَنهُ وَمُوْتَمٌ عَلَى مُبَاشَرَتِهِ، وَفِعلُ الصَّبِيِّ لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يُنَاطُ بِهِ الحَدُّ.

قَالَ: (وَمَنْ أَكْرَهَهُ السُّلطَانُ حَتَّى زَنَى فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ) وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ أَوَّلا: يُحَدُّ، وَهُوَ قَولُ زُفَرَ، لِأَنَّ الزِّنَا مِنْ الرَّجُلِ لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا بَعدَ انتِشَارِ الآلَةِ وَذَلِكَ دَلِيلُ الطَّوَاعِيَةِ. ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ فَقَالَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ سَبَبَهُ المُلجِئَ قَائِمٌ ظَاهِرًا، وَالِانتِشَارُ دَلِيلٌ مُتَرَدِّدُ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ قَصد، لِأَنَّ الإِنتِشَارَ قَدْ يَكُونُ طبعًا لَا طُوعًا كَمَا فِي النَّائِمِ فَأُورَثَ شُبهة، (وَإِنْ أَكْرَهَهُ غَيْرُ السُّلطَانِ حُدَّ عِنْدَ أَبِي

قلنا: لا فائدة في إيجاب المهر عليه؛ لأنه لو أوجبنا عليه لرجع ولي الصبي على المرأة؛ لأنها لما طاوعته صارت آمرة له بالزنا معها، وقد لحق الصبيَّ غُرْمٌ بذلك الأمر، وصح الأمر منها لولايتها على نفسها، فلا يفيد الإيجاب.

أما لو كانت مكرهة أو صبية لا رجوع لولي الصبي عليها بمثل ذلك؛ لعدم صحة أمرها؛ لعدم ولايتها، وفي المكرهة عدم الأمر أصلا، فكان الإيجاب مفيدًا. إليه أشار في الذخيرة.

قوله: (ومن أكرهه السلطان … ) إلى آخره؛ لأن انتشار الآلة دليل الطواعية والاختيار، فاقترن بالإكراه ما ينافيه، فانتفى الإكراه، بخلاف المرأة إذا أكرهت على الزنا لا تحد؛ لأن التمكين يتحقق منها مع الإكراه فلا يكون تمكينها دليل الطوع والاختيار، وبقول زفر قال أحمد والشافعي في قول.

(ثم رجع) أي: أبو حنيفة (وقال: لا يحد) وبه قال الشافعي في قول، وأبو يوسف ومحمد؛ لأن الحد شرع للزجر، وهو منزجر.

وإنما أقدم عليه ليدفع الهلاك عن نفسه، فلا يحد، كالمرأة المكرهة، وانتشار الآلة لا يدل على الطواعية؛ لأنه قد يكون طبعًا لا طوعًا، فإن النائم قد تنتشر آلته لفرط فحوليته وإن لم يكن له قصد واختيار.

قوله: (وَإِنْ أَكْرَهَهُ غَيْرُ السُّلْطَانِ حُدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) وزفر وأحمد والشافعي في قول؛ لما مر في المسألة الأولى، لكن عند أبي حنيفة باعتبار أن الإكراه لا يتحقق.

<<  <  ج: ص:  >  >>