للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: يَجِبُ الحَدُّ عَلَيْهَا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ (وَإِنْ زَنَى صَحِيحٌ بِمَجْنُونَة أَوْ صَغِيرَة يُجَامَعُ مِثْلُهَا حُدَّ الرَّجُلُ خَاصَّة) وَهَذَا بِالإِجْمَاعِ. لَهُمَا: أَنَّ العُدْرَ مِنْ جَانِبِهَا لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الحَدِّ مِنْ جَانِبِهِ فَكَذَا العُدْرُ مِنْ جَانِبِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ كُلَّا مِنْهُمَا مُؤَاخَذٌ بِفِعْلِهِ.

وَلَنَا: أَنَّ فِعَلَ الزِّنَا يَتَحَقَّقُ مِنهُ، وَإِنَّمَا هِيَ مَحَلُّ الفِعْلِ وَلِهَذَا يُسَمَّى هُوَ وَاطِئًا وَزَانِيَا وَالمَرأَةُ مَوطُوءَة وَمَرْنِيًّا بِهَا، إِلَّا أَنَّهَا سُمِّيَت زَانِيَة مَجَازًا تَسْمِيَة لِلمَفْعُولِ بِاسمِ

قوله: (وهو رواية) أي قول زفر والشافعي رواية (عن أبي يوسف) وبه قال أحمد ومالك؛ لأنها زانية حقيقة؛ لأن زناها اقتضى شهوتها بآلة، وقد وجد.

ألا ترى أنه تعالى سماها زانية وبدأ بها، و [لو] (١) لم يتصور منها الزنا لما حد قاذفها، كالمجبوب، ثم امتناع الحد من جانها لا يوجب سقوط الحد من جانبه، فكذا امتناع الحد من جانبه لا يوجب الامتناع في جانبها؛ لأن كلا منهما مؤاخذ بفعله لا بفعل صاحبه.

قوله: (ولنا أن فعل الزنا يتحقق منه) أي: من الرجل حقيقة؛ لأنه اسم لوطء حرام، وهو إمساس العضو العضو، وهو منه حقيقة، وإنما هي محله.

وقوله: (ولهذا يسمى) إلى آخره، توضيح لكون الفعل حقيقة من الرجل (وسميت زانية مجازًا) تسمية للمفعول باسم الفاعل، كعيشة راضية، بمعنى مرضية، في قوله تعالى: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] و ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] بمعنى مدفوق، وإذا كان ذلك كان فعلها تبعًا لفعله، وفعل الصبي والمجنون ليس بزنا؛ لأن الزنا شرعًا فعل من هو مخاطب بالكف عنه أثم بفعله، وفعلهما ليس كذلك، فإذا عدم الزنا في جانبه، فكذا في جانبها، فلا يجب عليها الحد.

فإن قيل: لما لم يجب الحد على الصبي والمجنون ينبغي أن يجب عليهما العقر؛ لأن الوطء في غير الملك لا يخلو عن أحد الأمرين: إما العقر وهو الحد، والعقر وهو مهر المثل، ولهذا لو زنا الصبي بصبية أو مكرهة يجب عليه المهر، وهاهنا لم يجب ذكره في الذخيرة (٢) فما الفرق؟.


(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
(٢) ينظر: البناية في شرح الهداية للعيني (٦/ ٣١٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>