للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

القَذْفِ مِنْ حُقُوقِهِم، أَمَّا حَدُّ الزِّنَا فَمَحضُ حَقِّ الشَّرعِ. وَلِمُحَمَّد وَهُوَ الفَرقُ. أَنَّ الأَصلَ فِي بَابِ الزِّنَا فِعلُ الرَّجُلِ وَالمَرأَةِ تَابِعَةٌ لَهُ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَامْتِنَاعُ الحَدِّ فِي حَقِّ الأَصلِ يُوجِبُ امتِنَاعَهُ فِي حَقِّ التَّبَعِ، أَمَّا الامْتِنَاعُ فِي حَقِّ التَّبَعِ لَا يُوجِبُ الامتِنَاعَ فِي حَقِّ الأَصلِ. نَظِيرُهُ: إِذَا زَنَى البَالِغُ بِصَبِيَّة أَوْ مَجْنُونَة، وَتَمْكِينُ البَالِغَةِ مِنْ الصَّبِيِّ وَالمَجنُونِ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ: أَنَّ فِعْلَ

فيعامل معه ويعاملنا، فيكون ملتزمًا ما يتصل بالمعاملة من حقوق العباد لا غير، ألا ترى أنه لا تضرب عليه الجزية، ولا يقتل المسلم والذمي به، ولا يمنع من الرجوع إلى دار الحرب.

وإذا لم يكن ملتزما شيئًا من حقوق الله تعالى صار الأمان وعدمه سواء، ولو عدم الأمان لم يقم عليه شيء من الحدود كذا هنا بخلاف الذمي؛ لأنه بالذمة صار آمنا دارًا، فالتحق بنا في أحكام الدنيا كلها، وفارقنا في أحكام الآخرة.

أما القصاص فحق العبد، وحد القذف فيه حق العبد أيضًا، والمنع من شراء العبد المسلم والمصحف والجبر على بيعهما من حقوق العباد، بخلاف حق الزنا، فإنه خالص حق الله تعالى فلا يلزمه، ولا يقال: إنه يمنع من الربا وهو حق الشرع؛ لأن الربا استثني من كل عهد، قال : «إلا مَنْ أَرْبَى فليس بيننا [وبينه] عهد (١)» إليه أشير في المبسوط (٢).

قوله: (عَلَى مَا نَذْكُرُهُ) أي: في مسألة زنا صحيح بمجنونة أو صغيرة، فمحمد يقول: فعل الرجل أصل، وفعلها تبع؛ لأنه الفاعل وهي محل الفعل، والمحال في حكم الشروط، فامتناع الحد في حق الأصل يوجب امتناعه في حق التبع؛ لأن الحد إنما يجب عليها بالتمكين من فعل موجب للحد، فلا تحد، وأما الامتناع في حق التبع لا يوجب امتناعه في حق الأصل.


(١) قال الزيلعي في نصب الراية (٣/ ٢٠٣): غريب.
وبنحوه أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤٢٦ رقم ٣٧٠١٥) عن الشعبي، قال: كتب رسول الله إلى أهل نجران وهم نصارى: «أن من بايع منكم بالربا فلا ذمة له» وهو مرسل.
(٢) المبسوط للسَّرَخْسِي (٩/ ٥٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>