للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لِأَبِي يُوسُفَ : أَنَّ المُستَأمَنَ التَزَمَ أَحكَامَنَا مُدَّةَ مُقَامِهِ فِي دَارِنَا فِي المُعَامَلَاتِ، كَمَا أَنَّ الذِّمِّيَّ التَزَمَهَا مُدَّةَ عُمُرِهِ، وَلِهَذَا يُحَدُّ حَدَّ القَدْفِ وَيُقْتَلُ قِصَاصًا، بِخِلَافِ حَدٌ الشَّربِ، لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ إِبَاحَتَهُ. وَلَهُمَا: أَنَّهُ مَا دَخَلَ لِلقَرَارِ، بَلْ لِحَاجَة كَالتِّجَارَةِ وَنَحْوِهَا، فَلَمْ يَصِر مِنْ أَهلِ دَارِنَا، وَلِهَذَا يُمَكَّنُ مِنْ الرُّجُوعِ إِلَى دَارِ الحَرْبِ وَلَا يُقتَلُ المُسلِمُ وَلَا الذَّمِّيُّ بِهِ، وَإِنَّمَا التَزَمَ مِنْ الحُكمِ مَا يَرْجِعُ إِلَى تَحْصِيلِ مَقصُودِهِ وَهُوَ حُقُوقُ العِبَادِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا طَمِعَ فِي الإِنصَافِ يَلتَزِم الانتِصَافَ، وَالقِصَاصُ وَحَدُّ

أحدهما: أن الحربي المستأمن أو الحربية المستأمنة إذا زَنَيَا لم يُحَدًا عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف حُدًا.

والثاني: أن التمكين من المستأمنة يوجب الحد عليها عند أبي حنيفة، وبه قال الشافعي وزفر وأحمد، ومحمد لا يوجب، فأبو يوسف يقول: إن كل الحدود تقام على المستأمن والمستأمنة في دارنا إلا حد الشرب، كما يقام على الذمي والذمية؛ لأن المستأمن يعتقد حرمة الزنا؛ لأنه حرام في كل الأديان.

وقد قَدَرَ الإمام على إقامة الحد لكونه في دارنا والتزم أحكامنا فيما يرجع إلى المعاملات والسياسات مدةً مُقامه فينا، كالذمي التزمها مدة حياته، ألا ترى أنه يقام عليه القصاص وحد القذف، ويمنع من الزنا وشراء العبد المسلم والمصحف، ويجبر على بيعهما بعد الشراء كما يجبر الذمي، بخلاف حد الشرب، فإنه لا يقام على الذمي أيضًا؛ لاعتقادهما إباحته، وإنما أعطيناهما الأمان على أن نتركهما وديانتهما.

قوله: (لَهُمَا أَنَّهُ مَا دَخَلَ لِلْقَرَارِ … ) إلى آخره.

بيانه أن الإقامة تبنى على الولاية، والولاية تبنى على الالتزام؛ إذ لو ألزمنا عليه حكما بلا التزامه؛ لأدى إلى تنفيره من دارنا ليرى محاسن الإسلام فيسلم.

وهو بالأمان التزم حقوق العباد (الإنصاف) أي: العدل لأجله على غيره (والانتصاف) أي: يقبل العدل لغيره عليه؛ لأن الغرم بإزاء الغنم، ألا يؤذي ولا يُؤذى، فيلزم عليه بالتزامه.

وأما حقوق الله تعالى فلم يلتزمها؛ لأنه إنما دخل دارنا ليقضي حوائجه،

<<  <  ج: ص:  >  >>