للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَلَهُ: أَنَّهُ لَيْسَ بِزِنا لِاحْتِلافِ الصَّحَابَةِ فِي مُوجِبِهِ مِنْ الإِحْرَاقِ بِالنَّارِ وَهَدَمِ الجِدَارِ وَالتَّنْكِيسِ مِنْ مَكَانَ مُرتَفِع بِاتبَاعِ الأَحْجَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا هُوَ فِي مَعنَى الزِّنَا،

قوله: (وله) أي: لأبي حنيفة (أنه ليس بزنًا) حقيقة لغةً، ألا ترى أنه ينفى ويقال: لاط وما زنى، وأهل اللغة فصلوا بينهما، قال قائلهم:

مِنْ كَفْ ذاتِ حِرٍ في زي ذي ذَكَرٍ … لَها مُحِبّانِ لوطي وَزَنَّاءُ (١)

فلا بد من اعتبار الاسم، ألا ترى أن الصحابة اختلفوا في موجبه مع أنهم عرفوا نص الزنا وموجبه، فعن الصديق: يحرقان بالنار.

وعن المرتضى: يجلدان أو يرجمان، وعن ابن عباس: ينكسان من أعلى المواضع ويتبعان بالحجارة، وعن ابن الزبير: يحبسان في أنتن المواضع حتى يموتا نتنا، وعن بعضهم: يهدم عليهما جدار.

ولا يظن بهم الاجتهاد في موضع النص، فكان اتفاقًا منهم على أنها ليست بزنا؛ إذ لا يمكن إيجاب حد الزنا بغير الزنا، ولا هو في معنى الزنا من كل وجه، فلا يجوز إلحاقه بالدلالة، وذلك أنها قصرت في المعنى الداعي إلى شرعية الزجر؛ إذ الحدود شرعت زواجر؛ لأن عليَّة الزنا باعتبار ميل الطبع من الجانبين دعت إلى شرعية الحد إعداما للزنا وتقليلا له، وهذا المعنى معدوم في اللواطة؛ لدعاء الطبع دون المفعول له عند سلامة الطبع.

ولا يشكل بوطء البالغ الصغيرة، فإن الحد يجب على البالغ مع أن الداعي من جانبه، لأنا نقول: إذا بلغت حُدَّت حدا يحتمل الجماع كان الداعي فيها موجودًا، ووطؤها زنا، بخلاف اللواطة؛ لما ذكرنا.

وباعتبار آخر، وهو أن في الزنا إفساد النسل وتضييعه، وإفساد فرش الناس، فكان في معنى إهلاك الولد؛ لأن ولد الزنا هالك حكما؛ لعدم من يربيه دونها، وهي عاجزة عن الكسب عادة لا باعتبار الحرمة.

ألا ترى أن حد الشرب شرع في شرب الخمر دون شرب البول وإن استويا


(١) رسائل الجاحظ (٢/ ١٠٨)، خزانة الأدب للحموي (١/ ٤٥٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>