الحكم ببطلان النكاح أسقط الحد به، فدلّ أن صورة العقد مسقطة للحد وإن كان باطلا شرعًا.
ولأن الفعل ليس بزنا لغةً، فإن أهل اللغة لا يفصلون بين الزنا بغيره إلا بالعقد، فعرف أن ذلك الوطء ليس بزنا لغة، ولهذا كان حلالا في شريعة من قبلنا، ألا ترى أن الأمة التي هي أخت الرضاع للواطئ فوطؤه لا يوجب الحد، فالنكاح في كونه مشروعًا أقوى من ملك اليمين. ثم ملك اليمين في محل لا يوجب الحل يصير شبهة، ويسقط بعقد النكاح.
وأما قول عمر ﵁ يمكن أن يكون بطريق السياسة، فلا تتم به الحجة، وأما الآية فأسم الفاحشة لا يختص بالزنا، بل اسم لجميع ما هو حرام، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١]، إليه أشار في المبسوط (١).
وفي الذخيرة (٢): قال بعض المشايخ: سقوط الحد بشبهة الاشتباه عند أبي حنيفة في نكاح المحارم فلا يفيد النسب، وقال بعضهم: بشبهة العقد وهو الصحيح؛ لأنه روي عن محمد أنه قال: سقوط الحد عنه لشبهة حكمية، فيثبت النسب. وهكذا ذكر في المنية.
قوله:(وَلَيْسَ فِيهَا حَدٌ مُقَدَّرُ فَيُعَزِّرُ) أشد التعزير، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد في رواية، وفي رواية: يقتل كما ذكرنا، وذكرنا جوابه، ومنكوحة الغير ومعتدته ومطلقته ثلاثا بعد التزوج كالمحرم، يُفتى على هذا الخلاف.
أما النكاح إن كان مختلفا فيه، كالنكاح بلا شهود أو بلا ولي فلا حد عليه بإجماع الأئمة الأربعة؛ لتمكن الشبهة عند الكل، وكذا لو تزوج على حرة، أو أمة مجوسية، أو أمة بلا إذن سيدها، أو تزوج بغير إذن سيده فلا حد عليه بإجماع الأئمة الأربعة، ففي كل نكاح مختلف في جوازه لا يجب الحد بالإجماع، وفي كل نكاح هو باطل بإجماع الأمة فعلى هذا الخلاف بين أبي حنيفة وغيره.
(١) المبسوط للسرخسي (٩/ ٨٦). (٢) ينظر: البحر الرائق في شرح كنز الدقائق (٥/١٧).