للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فِتْنَةٌ»، وَالحَدِيثُ مَنسُوخُ كَشَطْرِهِ، وَهُوَ قَولُهُ : «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلدُ مِائَة وَرَجمٌ بِالحِجَارَةِ» وَقَدْ عُرِفَ طَرِيقُهُ فِي مَوضِعِهِ (إِلَّا أَنْ يَرَى الإِمَامُ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةِ، فَيُغَرِّبَهُ عَلَى قَدرِ مَا يَرَى) وَذَلِكَ تَعزِيرٌ وَسِيَاسَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُفِيدُ فِي بَعضِ الأَحْوَالِ فَيَكُونُ الرَّأيُ فِيهِ إِلَى الإِمَامِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ النَّفْيُّ المَروِيُّ عَنْ بَعْضِ

قوله: (والحديث منسوخ كشطره) الثاني (وهو قوله: «الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة» (١) والعجب من الخصم أنه يحكم في الحديث الواحد بأن نصفه منسوخ ونصفه لا وقد عرف طريقه) أي: طريق النسخ (في موضعه) من المباسيط والتفاسير وكتاب الناسخ والمنسوخ، وقد بيناه في المسألة الأولى.

وفي المبسوط (٢): لو زنت أمة أكنت تنفيها؟ فتحول بين مولاها وبين خدمتها، وحق المولى في الخدمة مرعي، وهو مقدَّم على حق الشرع! فإذا ثبت أن الأمة لا تُنفى، فكذلك الحُرَّة؛ لأنه تعالى قال: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] وهذا حجة على مالك في الحقيقة.

قوله: (وذلك) أي: التغريب بقدر ما يرى (تعزير وسياسة) فلا يختص بالزنا، بل يجوز ذلك في كل جناية (وعليه) أي: على التعزير والسياسة يحمل ما روي عن النبي وبعض الصحابة، ألا ترى أنه نفى هيت المخنث من المدينة، ونفى عمر (٣) نصر بن حجاج من المدينة حين سمع قائلة تقول: [البحر البسيط].

هَلْ مِنْ سَبِيلِ إِلَى خَمْرٍ فَأَشْرَبَهَا … أَوْ مِنْ سَبِيلِ إِلَى نَصْرِ بْنِ حَجَّاج

إلَى فَتَى مَاجِدِ الْأَعْرَاقِ مُقْتَبَلٍ … سَهْلِ الْمُحَيَّا كَرِيم غَيْرِ مِلْجاج

وذلك لا يوجب النفي، ولكن فعل ذلك للمصلحة، فقال: ما ذنبي يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا ذنب لك، وإنما الذنب لي حيث لا أطهر دار الهجرة عنك.

يقال: رجل مقتبل الشباب: إذا لم يَبِنْ فيه أثر الكبر. السهل: خلاف الصعب، وهو كناية عن حسن وجهه. اللجاجة: التمادي في الخصومة.

ألا ترى أن عمر نفى زانيا فلحق بالروم، فحلف ألا ينفي أحدًا بعد هذا، فلو كان مشروعًا حدا لما حلف ألا يقيمه.


(١) تقدم تخريجه قريبا.
(٢) المبسوط للسَّرَخْسِي (٩/٤٥).
(٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢١/ ٦٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>