للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَلَنَا: قَوله تَعَالَى: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] جَعَلَ الجَلدَ كُلَّ المُوجَبِ رُجُوعا إِلَى حَرفِ «الفَاءِ» وَإِلَى كَونِهِ كُلَّ المَذْكُورِ، وَلِأَنَّ فِي التَّعْرِيبِ فَتحَ بَابِ الزِّنَا لِانعِدَامِ الاسْتِحْيَاءِ مِنْ العَشِيرَةِ، ثُمَّ فِيهِ قَطعُ مَوَادِّ البَقَاءِ، فَرُبَّمَا تَتَّخِذُ زِنَاهَا مَكسَبَةٍ وَهُوَ مِنْ أَقبَحِ وُجُوهِ الزِّنَا، وَهَذِهِ الجِهَةُ مُرَجَّحَةٌ لِقَولِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ -: «كَفَى بِالنَّفي

ولنا؛ قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] فالفاء تقتضي أن يكون الحد كل لموجب لدخوله على كل حكم ما ذكر من السبب، كما في قوله تعالى: ﴿فَكَفَرَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩] فإن أئمة اللغة اتفقوا على أن الفاء للجزاء.

ولهذا لا يصح أن يقال: لم يفرقوا بين قوله: (إن أكرمك فأكرمه) وبين قوله (جازه بالإكرام) ولهذا لا يصح أن يقال: (إن أكرمك فأكرمه ولا تجازه بالإكرام).

والجزاء: اسم لما تقع به الكفاية؛ لأنه من (جزأ) بالهمز، أي: كفى، ويقال جازئه به أي: كافئه، وإنما تقع الكفاية بالجلد إذا لم يجد معه شيئا آخر، وهكذا معنى قول المصنّف: (رجوعًا إلى حرف الفاء، أو إلى كونه كل المذكور) فيكون كل المراد؛ إذ الموضع موضع الحاجة إلى البيان، فلو أوجبنا معه التغريب لكان الجلد بعض الموجب، فيكون نسخا.

قوله: (لانْعِدَامِ الاسْتِحْيَاءِ مِنَ الْعَشِيرَةِ) فتقطع الموانع والمدافع من حفظ العشائر والاستحياء من المعارف، فيغلب الزنا (ثم فيه) أي: في التغريب (قطع مواد البقاء) وهو الكسب؛ لأنها لما تباعدت عن الأقارب والأوطان، وتركت في الرباط والخان أخرجها انقطاع مواد المعاش إلى اتخاذ الزنا مكسبة؛ لانقطاع الموانع والمدافع من العشائر والاستحياء.

(وهو من أقبح وجوه الزنا) يعني هذا أقوى مما قاله الخصم؛ لأن ما ينشأ من الصحبة والمؤانسة يكون مكتومًا، وما ينشأ عن الوقاحة وخلاعة العذار يكون مشهورًا، وهذا أفحش.

قوله: (وهذه الجهة مرجحة) يجوز بكسر الجيم، وبفتحها على بناء المفعول، أي: رَجَّحَهَا قول علي، واللام للتعليل.

<<  <  ج: ص:  >  >>