قلنا: لا، ولكن يلبس الكفن، والإلباس غير الإكساء فإنه لا يُنْبِي عن التمليك، يقال: كسى الأمير فلانًا، أي: ملكه كسوة، وقال تعالى في الكفارة: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، ويراد به التمليك.
فأما الإلباس عبارة عن الستر والتغطية، والميت محل لذلك؛ ألا ترى أنه لو حلف لا يلبس فلانًا ثوبًا؛ فهو على الحياة والوفاة جميعًا، كذا ذكره قاضي خان، والمحبوبي.
قوله:(والموت ينافيه) أي: ينافي الكلام؛ لأن المراد من الكلام الاستماع، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢].
فإن قيل: قد روي أن قتلى بدر لما ألقوا في القليب قام رسول الله ﷺ على رأس القليب وقال: «هل وجدْتُم ما وعدكم ربُّكُم حقا؟» فقال عمر: أتكلم الميت يا رسول الله! فقال ﵇: «ما أنتم بأسمع من هؤلاء»(١).
قلنا: هو غير ثابت فإنه لما بلغ هذا الحديث عائشة قالت: كذبتم على رسول الله فإنه تعالى قال: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [الروم: ٥٢]، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢](٢)، على أنه ﵇ كان مخصوصا به معجزة له.
وقيل: المقصود وعظ الأحياء لا إفهام الموتى كما روي عن علي ﵁ إذا أتى المقابر قال: عليكم السلام ديار قوم مؤمنين أما نساؤكم فقد نكحت، وأما أموالكم فقد قسمت، وأما دوركم فقد سكنت فهذا خبركم عندنا فما خبرنا عندكم؟
وكان يقول: سل الأرض من شق أنهاركِ؟ وغرس أشجاركِ؟ وجنى ثماركِ؟ فإن لم تجبك جوابًا أجابتك اعتبارًا، وكان ذلك على سبيل الوعظ للأحياء لا للخطاب للموتى.
(١) أخرجه البخاري (٥/ ٧٦ رقم ٣٩٧٦)، ومسلم (٤/ ٢٢٠٤ رقم ٢٨٧٥) من حديث أبي طلحة ﵁. (٢) أخرجه البخاري (٥/ ٧٧ رقم ٣٩٨٠)، ومسلم (٢/ ٦٤٣ رقم ٩٣٢).