اليدين والرجلين شيئان حقيقةً، وشيء واحد حكمًا، فعلمنا بالشبه الأول في النقل، وبالشبه الثاني فيما ذكرنا، ولم نعمل على العكس بدلالة العادة فإنها جارية في نقل البلة في الغسل دون الوضوء، كذا قيل (١).
وقيل: في حكمة غسل هذه الأعضاء وجوه:
أحدها: أنه تعالى أمرهم بالقيام إلى الصلاة وهي مقام المناجاة ومحل القرب، فأمرهم بتطهير هذه الأعضاء الرئيسية.
والثاني: أنه تعالى أمر بغسلها تكفيرًا لما ارتكبوا بها من الأجرام لما أن ارتكاب الأجرام باليد والرجل والرأس محل الحواس الخمس، وقد ورد في الخبر أن الوضوء مكفر.
والثالث: أن العبد إذا شرع في الخدمة يجب أن يجدد نظافة، وأيسرها تنقية الأعضاء التي تنكشف كثيراً ليحصل بها نظافة القلب؛ إذ تنظيف الظاهر يوجب تنظيف الباطن كما ورد في الخبر:«مَنْ أَصْلَحَ بَرَّانِيَّه … »(٢) الحديث.
والرابع: إن هذه الأعضاء وسائل إلى استيفاء النعمة العظمى إذ باليد يحصل القبض والتناول، وبالرجل المشي والوصول إلى المقصود، والوجه والرأس محلّان لجميع الحواس وبها يعرف عظم نعمه تعالى، وأمر بغسل هذه الأعضاء شكرا لما يتوسل بها إلى النعم. ثم وظيفة الرجلين الغسيل عند عامة أهل القبلة، وعند الروافض المسح على ظاهر القدم والأصابع إلى الكعبين، والغسل غير جائز لظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ لأنه قرئ بقراءتين، فقرأ نافع وابن عامر، والكسائي، وحفص، وأبو بكر، والمفضل، والأعشى
(١) انظر: درر الحكام شرح غرر الأحكام (١/٩)، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق (١/٤٩). (٢) أخرج أبو داود في الزهد (رقم ٢٥٩)، وابن المبارك في الزهد (٢/١٧) عن سلمان قال: إن لكل امرئ جوانياً وبرانياً، فمن يصلح جوانيه يصلح برّانِيَّه، ومن يفسد جوانيه يفسد الله برانيه. موقوفا وروي عن علي ﵁ أنه قال: لكل شيء جُوانِيّ وبَرّانِيّ فمن أصلح جوانيه أصلح الله برانيه، ومن يفسد جوانيه يفسد الله برانيه ذكره المتقي في كنز العمال (٣/ ٦٧٥ رقم ٨٤٢٩).