ثابت ابن قيس بن شماس فضربها وضرب يدها فأتت النبي ﷺ بعد الصبح فدعاه ﵇ وقال:«خذ بعض ما لها وفارقها» فقال: إني أصدقتها حديقتين وهما بيدها؛ فقال ﵇:«خذْهُما وفارقها» ففعل (١).
فإن قيل: هذا خبر واحد فكيف يعارض قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة ٢٢٩].
قلنا: النص إذا خص منه شيء أو عورض بنص آخر مثله خرج عن كونه قطعيا (٢)، فيجوز تخصيصه بخبر الواحد مع أن هذا الحديث إن كان معارضًا لنص فموافق لنص آخر وهو قوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا﴾ [النساء ٢٠]؛ فكان في الحقيقة معارضة الكتاب بالكتاب لا معارضة خبر الواحد؛ فجاز التمسك به؛ لأنه موافق لأحد النصين.
(مقتضى ما تلوناه) وهو قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة. ٢٢٩]
(شيئان) جواز أخذ الزيادة حكمًا أو شرعًا، والثاني: إباحة أخذ الزيادة.
فإن قيل: الجواز والإباحة عبارتان عن معنى واحد أو شيئان لا ينفكان؛ لأنه لا جواز بدون الإباحة ولا إباحة بدون الجواز فكيف يجوز بقاء أحدهما مع انتفاء الآخر؟
قلنا:[بل](٣) هما شيئان مختلفتان؛ لأن ضد الإباحة الكراهة وضد الجواز الحرمة، وبضدها تتبين الأشياء، وكذا شيئان ينفكان؛ ألا ترى أن البيع وقت النداء جائز وليس بمباح؛ لما أن الإباحة عبارة عن عدم الكراهة، واحتمل أن يكون الشيء جائزا مع الكراهة، وهذا كثير النظير فإن جميع صور
(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٢٦٩، برقم ٢٢٢٨) من حديث أمنا عائشة. (٢) في الأصل: (خرج عن قوله: أصليا) وما أثبتناه من النسخة الثانية. (٣) ما بين المعقوفتين زيادة من النسخة الثانية.