(لأنهما) أي: (كم) و (ما)(يستعملان للعدد) يقال: كم مالك؟ وخذ دراهمي ما شئت؛ أي: العدد الذي شئت، (فقد فوض إليها أي عدد شاءت).
فإن قيل: كلمة (ما) كما تستعمل للعدد تستعمل للوقت كقوله تعالى: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم ٣١] فوقع الشك في تفويض العدد فلا يثبت العدد بالشك.
قلنا: هذا معارض بمثله، فإنا لو عملناه بمعنى الوقت؛ لا يبطل بالقيام عن المجلس، ولو عملنا بمعنى العدد؛ يبطل، فوقع الشك في ثبوته فيما وراء المجلس؛ فلا يثبت بالشك، ثم رجحنا جانب العدد بأصل آخر وهو: أن التفويض بمعنى التمليك كما ذكرنا والتمليكات مقتصرة على المجلس، وذا إنما يكون أن لو كانت معمولة بمعنى العدد لا بمعنى الوقت.
قوله:(لأن هذا أمر واحد) هذا احتراز عن (كلما).
وقوله: (خطاب في الحال احتراز عن "إذا " و "متى" يعني هذا تمليك في الحال؛ لأنه ليس في كلامه ذكر الوقت فاقتضى جوابًا في الحال)، ولا يقال إن "كم" تستعمل في العدد، والواحد ليس بعدد؛ فينبغي ألا يملك الواحد؛ لأنا نقول: الواحد أصل العدد، وفي العُرف تستعمل بمعنى العدد؛ ألا ترى لو قيل: كم معك؟ استقام الجواب عن الواحد.
قوله:(تستعمل للتمييز)؛ أي: للبيان كما في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج ٣٠]، وقد تكون صلة كما في قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١] وقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدِ﴾ [المؤمنون ٩١]