فإذا أمكن جعله إخبارًا لا يجعل إنشاء؛ لأن العمل بحقيقة كل كلام واجب ما أمكن.
فإن قيل: هذا منقوض بما لو قال لامرأته الموطوءة: أنت طالق ثلاث مرات؛ تقع الثلاث، وإن أمكن جعل الثاني والثالث إخبارًا.
قلنا: إن القيد كما يزول عنها يعود إليها لوجود العدة، وهذا عند البعض.
والمتأخرون من مشايخنا يقولون: يتوقف زوال القيد على انقضاء العدة، كما لو قال لها: أنت طالق، ثم قال: كل امرأة لي طالق؛ يقع عليها طلاق آخر، وهذا شاهد لهم بقيام النكاح، فحينئذ تعذر جعل الثاني والثالث إخبارًا؛ لأن بالطلاق الأول ما زال قيد النكاح؛ ولأجل المحلية. كذا في الفوائد الظهيرية (١). وفيه نوع تأمل.
وفي المبسوط: لو قال: عنيت بالثاني الإخبار؛ صُدّق ديانة لا قضاء؛ لأن كل واحد من الكلامين إيقاع من حيث الظاهر لبقاء محله، والقاضي مأمور باتباع الظاهر ولكن محتمل للإخبار والتكرار فيُصدَّق ديانة؛ لأنه تعالى مطلع على ضميره (٢).
(ولو تزوجها أول من أمس) ثم قال: أنت طالق أمس؛ طلقت حين قال ذلك؛ لأنه ما أسنده إلى حالة منافية؛ لأنها في الأمس ملكه.
ولا يمكن تصحيحه إخبارًا أيضًا في حق نفسه وكذا في حق غيره؛ لأن الإخبار حقيقة مهجورة فلا يعتبر في مقابلة الإنشاء؛ لأن الإنشاء صار حقيقة عرفا وشرعا.
(والإنشاء في الماضي إنشاء في الحال)؛ لأنه يملك الإيقاع في الحال ولا
(١) انظر: فتح القدير للكمال ابن الهمام (٤/٢٩). (٢) انظر: المبسوط للسَّرَخْسِي (٦/ ٩٩).