وثبوت الشيء كناية أقوى من ثبوته صريحًا؛ ألم ترى أن قولك:(كثير الرماد) أبلغ في إثبات الجود من قولك: فلان جواد؛ لأن كثرة الرماد أثر الجود وعلامته فكان دليلا عليه بخلاف قولنا جواد، فإنه مجرد وصف له بذلك لا غير، أو يحتمل أن يوقعه.
تحليل المسألة بأن يقول: قوله من هاهنا إلى الشام وصف بالطول بطريق الكناية، وفي الوصف بالطول صريحًا تثبت البينونة عندكم؛ فكذا في وصفه بالطول بطريق الكناية عندي.
كما علل زفر مسألة سقوط النية في رمضان بالقياس على صاحب النصاب إذا وهبه للفقير بلا نية مع أن الزكاة بلا نية لا تسقط عنده.
وفي الكافي: جاز أن يكون له روايتان في هذه المسألة (١).
فقد [ذكر](٢) المشايخ ﵏ في دليله: لأنه وصف الطلاق بالطول، فصار كأنه قال: أنتِ طالق طويلة، ولو قال كذلك كان بائنا كذا هاهنا.
ولأن قوله: من هنا إلى الشام؛ يُفيد الطول والعرض، وجاز أن لا تحصل البينونة عنده بمجرد وصف الطول، ويحصل بوصف الطول والعرض؛ لأنه يفيد العظم فصار كأنه قال: أنت طالق كالجبل؛ وثَمَّ عنده يقع البائن؛ لأن المشبه به عظيم فكذا هاهنا، بخلاف نفس الطول؛ لأنه فيه عِظَم فكان كنفس التشبيه إذا لم يكن المشبه به عظيمًا.
و (قلنا: لا بل وصفه بالقصر)، ونفس الطلاق لا يحتمل القصر؛ لأنه ليس بجسم فكان قصر حكمه، وقصر حكمه بكونه رجعيا، وطوله بكونه بائنا.
ولأنه لم يصفها بعظم ولا كبر، وإنما مدها إلى مكان، وهو لا يحتمل ذلك أصلا؛ فلم يثبت بهذا اللفظ زيادة شدة فلا تثبت البينونة.
وذكر التمرتاشي: مع أنه إنما مد المرأة لا الطلاق (٣).
(١) البناية شرح الهداية للعيني (٥/ ٣٢٠)، تبيين الحقائق لفخر الدين الزيلعي (٢/ ٢٠٣). (٢) ما بين المعكوفتين زيادة من النسخة الثانية. (٣) فتح القدير للكمال ابن الهمام (٤/٢٤)، البحر الرائق لابن نجيم (٣/ ٢٨٥).