للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَجْهُ قَولِهِمَا - وَهُوَ الإِسْتِحْسَانُ: أَنَّ مِثلَ هَذَا الكَلَامِ مَتَى ذُكِرَ فِي العُرفِ يُرَادُ بِهِ الكُلُّ، كَمَا تَقُولُ لِغَيْرِك: خُذ مِنْ مَالِي مِنْ دِرْهَم إِلَى مِائَة.

وَلِأَبِي حَنِيفَةَ : أَنَّ المُرَادَ بِهِ الأَكثَرُ مِنْ الأَقَلِّ، وَالأَقَلُّ مِنْ الأَكثَرِ، فَإِنَّهُم يَقُولُونَ سِنِّي مِنْ سِتِّينَ إِلَى سَبْعِينَ وَمَا بَينَ سِتِّينَ إِلَى سَبْعِينَ وَيُرِيدُونَ بِهِ مَا ذَكَرنَاهُ، وَإِرَادَةُ الكُلِّ فِيمَا طَرِيقُهُ طَرِيقُ الإِبَاحَةِ كَمَا ذُكِرَ، إذ الأصلُ فِي الطَّلَاقِ هُوَ الحَظرُ،

على قياس قول زفر.

قلنا: هكذا ذكره بعض المتأخرين، والأصح أنه تقع واحدة؛ لأن آخر كلامه لغو باعتبار أنه جعل الشيء الواحد حدا ومحدودًا، وذلك لا يتصور فإذا لغى آخر كلامه بقي قوله: أنت طالق فيقع به كذا في جامع السرخسي (١).

(من درهم إلى مئة)؛ كان له أخذ المئة.

وكذا لو قال: كل من المالح إلى الحلو؛ يراد به تعميم الإذن.

وكذا لو قال: اشتر لي هذا العبد من مائة إلى ألف؛ يكون له إذن بالشراء بالألف؛ إذ مطلق الكلام يحمل على المتعارف، ولأنه جعلهما غاية فلابد من وجودهما ووجود الطلاق بالوقوع.

(ولأبي حنيفة أن المراد به)؛ أي: بمثل هذا الكلام بحسب العادة، وهو يحتج أيضًا بالعادة.

وقد حاج أبو حنيفة زفر، وقال له: كم سنُّكَ؟ فقال: سني ما بين ستين إلى سبعين، فقال له: أنت إذا ابن تسع سنين فتحير زفر.

وقال فخر الإسلام حاج الأصمعي زفر على باب الرشيد فقال له: ما قولك في رجل قيل له كم سِنُّكَ؟ فقال: ما بين ستين إلى سبعين، أيكون ابن تسع سنين؟ فتحيَّر زفر وقال: أستحسن في هذا كما ذكرا -أي أبو يوسف ومحمد - يعني جرت التوسعة في الإباحات دون غيرها (٢).

إذ الأصل في الطلاق هو الحظر كما ذكرنا، كيف وأنه منهي عنه هنا


(١) المبسوط للسَّرَخْسِي (٦/ ١٣٦).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٥/ ٣١٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>