للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وَهُوَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ عَنْ نِصفِ المَهرِ، وَلَا يُبَالَى بِاخْتِلَافِ السَّبَبِ عِنْدَ حُصُولِ المَقْصُودِ (وَلَو قَبَضَت خَمْسَمِائَةِ ثُمَّ وَهَبَت الأَلفَ كُلَّهَا المَقبُوضَ وَغَيْرَهُ أَوْ وَهَبَتِ البَاقِيَ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا، لَم يَرجِع وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: يَرْجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَا قَبَضَت) (*) اعتبارا لِلبَعضِ بِالكُلِّ، وَلِأَنَّ هِبَةَ البَعْضِ حَطَّ فَيَلْتَحِقُ بِأَصْلِ العَقدِ.

وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ مَقصُودَ الزَّوجِ قَدْ حَصَلَ، وَهُوَ سَلَامَةُ نِصفِ الصَّدَاقِ بِلَا

قلنا: الأصل عدم تغيره بتغير أسبابه، وهذا لم يتغير حقيقة، إلا أن الأعيان تتغاير بتغاير صفاتها القائمة بها؛ كالخل والدبس تتغاير حقائقهما بتغاير صفاتهما من الحلاوة والمرارة والحموضة؛ فجاز أن تتتغير حكما، وفيما نحن فيه: المهر وصف في الذمة، والأوصاف لا تقبل التغاير حقيقة بتغاير صفاتها القائمة بها؛ إذ قيام الصفة بالصفة محال؛ فبقي الدين على الأصل، وهو ألا يتصور الاختلاف فيه. كذا في الفوائد الشاهية والخبازية.

قوله: (اعتبارا للبعض بالكل)، وبه قال الشافعي في الأصح (١)؛ يعني: لو قبض شيئا لم يرجع عليها، ولو قبضت الكل يرجع عليها بالنصف؛ فإذا قبضت النصف دون النصف يرجع عليها بنصف النصف وصار كل المهر هو المقبوض لا غير، ولو كان كذلك وكان له الرجوع بنصف المقبوض؛ فكذا ههنا.

ولأن هبة البعض تلتحق بأصل العقد؛ فصار كأن العقد لم يقع إلا على هذا النصف؛ كما في البيع لو حط البائع صار كأن الثمن لم يكن إلا في الباقي؛ حتى أن الشفيع يأخذ بما بقي، ويبيعه مرابحة بما بقي.

ولأبي حنيفة أن المقصود إلى آخره، وحاصله أن الطلاق قبل الدخول بمنزلة الفسخ؛ لأنه إعادة حق المرأة إلى قديم ملكه، أو إعادة نصف الصداق إلى الزوج بقديم ملكه؛ فيصير الصداق مشتركا بينهما؛ فإذا قبضت النصف انصرف القبض إلى حقها؛ كمكيل أو موزون بين اثنين وهو في يد أحدهما، فقبض صاحبه النصف؛ كان المقبوض خالص حقه.


(*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(١) انظر: الحاوي الكبير (٩/ ٥٢٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>