للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَالتَّثْوِيبُ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ النَّاسَ عَرَفُوهَا بِكرًا فَيُعَيِّبُونَهَا، بِالنُّطْقِ فَتَمْتَنِعُ عَنهُ

(والتثويب)؛ لأنه عود إلى الإعلام بعد الإعلام، ولهذا يدخل في الوصية في الثيب دون الأبكار.

وإذا كانت ثيبًا يجب مشورتها بالنص، ولا يصح الاشتغال بالتعليل؛ لأنه يتضمن إبطال حكم النص، ولأن الحياء بعد هذا يكون رعونة منها، فإنها لما لم تستح عن إظهار الرغبة في الرجال على أفحش الوجوه، فكيف تستحي من الرغبة على أحسن الوجوه؟، بخلاف حياء البكر؛ لأنه حياء كرم الطبيعة، وذلك محمود، وهذه لو كان فيها حياء فإنما هي استحياء من ظهور الفاحشة، وذلك غير ما ورد فيه النص. كذا في المبسوط (١).

ولأبي حنيفة: أن الشرع جعل كونه رضا لقلة الحياء لا للبكارة، فإن عائشة لما أخبرت: إنها لتستحي، فقال : «سُكوتُها رضا» (٢)، وعلة الحياء هنا موجودة، فإنها وإن ابتليت بالزنا مرة لفرط الشبق، أو أكرهت على الزنا؛ لا ينعدم حياؤها بل يزداد؛ لأن في الاستنطاق ظهور فاحشتها، وهي تستحي من ذلك غاية الاستحياء.

فإن قيل: حياء البكر حياء كرم الطبيعة وهو محمود، وهذا الحياء من ظهور الفاحشة، فلم يكن في معنى المنصوص.

قلنا: هذا الحياء محمود أيضا؛ لأنها تستر على نفسها بستر الله تعالى، (مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ القَاذُورَاتِ شَيئًا فَلْيَسْتَتِرُ بِسِتْرِ اللهِ تَعَالَى) (٣) (٤)، والحياء من ظهور المعصية من كرم الطبيعة،


(١) المبسوط للسَّرَخْسِي (٥/٧).
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
(٣) أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٨٢٥، رقم ١٢) من حديث زيد بن أسلم مرسلا. قال ابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٢٣١): هذا الحديث لا أعلم أسند بهذا اللفظ من وجه من الوجوه. قلت: وبنحوه مسندا من حديث ابن عمر مرفوعًا: «اجتنبوا هذه القاذورة التي نهى الله عنها فمن أَلَمْ فليستتر بستر الله ولْيَتُبْ إلى الله فإنه مَنْ يُبدِ لَنا صفحَتَهُ نُقِم عليه كتاب الله ﷿» أخرجه الحاكم (٤/ ٢٧٢، رقم ٧٦١٥) وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي.
(٤) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، والمثبت من النسخة الثانية.

<<  <  ج: ص:  >  >>