عندنا، لا خلاف بين الأئمة الأربعة (١) في تجويز (٢) نكاح الكتابية الحرة، وهي النصرانية أو اليهودية، وفيمن آمن بزبور داود، وصحف إبراهيم وشيث، والسامرة من اليهود اختلف فيه، ولكن قال الشافعي: ينبغي أن تكون إسرائيلية؛ يعني: من أولاد بني إسرائيل، وهو يعقوب ﵇، أي: آمن أول آبائها قبل التحريف، ولو شك في إيمانه قبل التحريف ففيه قولان عنده، ولو كان يعلم دخوله في النصرانية بعد التحريف وبعد بعثة نبينا محمد ﷺ فلا ينكح، ولو كان يعلم دخوله في ذلك الدين بعد التحريف قبل النسخ ببعثه؛ فقيل: فيه قولان، وقيل: لا يجوز.
وأما التمسك بكتب الأنبياء السالفة كصحف شيث وإبراهيم وإدريس لا يجوز نكاحهم. كذا في شرح الوجيز (٣)، وشرح الغاية.
وقالت الإمامية من الشيعة: لا يجوز نكاح الكتابية إلا عند عدم المسلمة، لاختلاف العلماء في كونهم مشركات، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ أي: أسلمن من أهل الكتاب.
وقال ابن عمر: لا يجوز نكاح الكتابية؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، وتفسير المحصنات: المسلمات.
اعلم: أن العلماء ﵏ اختلفوا في لفظ المشرك هل يتناول أهل الكتاب؟ قال بعضهم: يتناول؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾، ثم قال في آخر الآية: ﴿سُبْحَانُهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، ولأنه تعالى قال: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ
(١) انظر: المبسوط للسَّرَخْسِي (٤/ ٢١٠)، وجامع الأمهات لابن الحاجب (ص ٢٦٨)، والتنبيه للشيرازي (ص) (١٦٠)، والكافي لابن قدامة (٣/٣٣). (٢) في الأصل: (تزويج)، والمثبت من النسخة الثالثة. (٣) العزيز شرح الوجيز للرافعي (٨/ ٧٥).