نسلم أن الأم من وجه حرام، فكيف تحرم والأم من وجه دون الأم من كل وجه؟ فتحريم الأم من كل وجه لا يدل على تحريم الأم من وجه، والأم رضاعا حرمت بالنص لا استدلالا بالأم من كل وجه.
قلنا: كل الولد جزؤه؛ لأن أحكام البعضية تثبت لكله لا لبعضه، فلهذا لم نقل كله تفرع منه حقيقة، بل ندعي أنه في معنى المتفرع منه؛ لأن بعض متفرع منه حقيقة، وقد اختلط بعضها بذلك البعض على وجه لا يتميز، وصار بالاختلاط كشيء واحد، وكل حكم يثبت لبعضه المتفرع منه يثبت لبعضها المختلط ببعضه، ضرورة عدم التمييز، فكان الكل تفرع منه، وإنما أثبتنا الحرمة هنا استدلالًا بالأم رضاعًا؛ لأنها أم من وجه، ولأنها لما كانت أما من وجه كانت حرامًا من وجه، فتحرم احتياطا.
ومن فروع هذه المسألة:
ابنته من الزنا، بأن زنى ببكر وأمسكها حتى ولدت ابنة، فإن نكاحها يحرم عليه عندنا، وأحمد (١)، ومالك في المشهور منه (٢)، وعامة الفقهاء، خلافًا للشافعي (٣)، ومالك؛ لأنها بنته حقيقة، فتحرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾، وكذا الخلاف في أخته وبنت ابنه وبنت بنته، وبنت أخيه من الزنا.
فإن قيل: لو كانت بنته لوجبت نفقتها عليه، ولثبت التوارث، ولصارت أمها أم ولد، فلما لم تثبت هذه الأحكام علم أنها ليست ببنته، غير مضافة إليه مطلقا، والداخل تحت النص البنت المضافة إليه مطلقا، فإذا لم يوجد لم تدخل تحت النص المحرم فبقيت داخلة تحت نص الإباحة، وهو المتمسك للشافعي.
قلنا: لما كانت مخلوقة من مائه كانت مضافة إليه من كل وجه، وعدم ثبوت هذه الأحكام لا يدل على عدم الإضافة؛ ألا ترى أن ابن الكافر لا يرثه، والكافر لا يستحق النفقة على الأخ المسلم، ولا خلل في الإضافة، بل عدم
(١) انظر: الشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة (٧/ ٤٧٣)، والمبدع لابن مفلح (٦/ ١٢٧). (٢) انظر: المقدمات الممهدات لابن رشد (١/ ٤٩٦)، ومنح الجليل لعليش (٣/ ٣٢٧). (٣) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٩/ ٢٥٦)، والمجموع للنووي (١٦/ ٢٢٢).