عَمَّتِها ولا على خالتها، ولا على ابنة أخيها ولا على ابنة أُختها؛ فإنّكم إذا فعلتم ذلكَ قَطعتُم أرحامَهُنَّ»، وهذا نهي بصيغة الخبر، وهو أبلغ ما يكون من النهي، والحديث مذكور في الصحيحين.
فإن قيل ما فائدة تكرار بنت الأخ؟
قلنا: إن المذكور في الحديث نكاح بنت الأخ على العمة، فيجوز أن يظن ظان، أن نكاح ابنة الأخ على العمة إنما يجوز لتفضيل العمة واحتراما لها، كما لا يجوز نكاح الأمة على الحرة احتراما لها لشرف الحرة، فأزال النبي ﷺ هذا الاشتباه، وبين أنه لا يجوز نكاح العمة أيضا، أو لأنه إنما كرر للتأكيد والمبالغة؛ لما أن الباب باب الحرمة، وفي الحرمات يؤكد ويبالغ؛ ألا ترى إلى قوله ﵇:«لا تبيعوا الحنطة بالحنطة إلا سواء بسواء مثلًا بمثل كيلا بِكَيْل»(١)، فقد كرَّرَ شرطًا للمماثلة بألفاظ مختلفة للتأكيد؛ لما أن الباب باب الحرمة، كذا هاهنا.
(وهذا)؛ أي: ما روينا حديث مشهور، تلقته العلماء بالقبول، واشتهر بين التابعين وتبع التابعين، مع رواية كبار الصحابة كما ذكرنا، فتجوز الزيادة به على عموم الباب، وهو قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، ولئن كان من أخبار الآحاد فقد ورد تخصيصا للكتاب، وتخصيص عام ثبت خصوصه جائز به، وقد خصت الوثنية والمجوسية وبناته من الرضاعة من عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، فَتُخَصُّ هذه الصورة بهذا الخبر.
وقيل: إنه ورد بيانا لمجمل الكتاب؛ لأن شرط الإحصان في الإباحة بقوله: ﴿مُّحْصِنِينَ﴾، وهو مجمل، فخبر الواحد يصح بيانًا، فكأن الحديث ورد بيانا لما هو مبهم في الكتاب، لا ناسخا، أو ألحق بالجمع بين الأختين دلالة؛ من حيث إن كل واحد جمع بين ذواتي رحم محرم يوجب قطع الرحم، وإليه أشار النبي بقوله:«قَطَعتُم أرحامَهُنَّ» على ما يكون من العداوة بين الضرائر، فكان ثابتًا دلالة، لكن في النص نوع خفاء، فتبين بالخبر، فكان الحديث مقررا
(١) بنحوه أخرجه مسلم (٣/ ١٢١١، رقم ١٥٨٧) من حديث عبادة بن الصامت ﵁.