ثبوت الحرمة؛ لا يحل إمساك ما قد سلف بعد نزول الحرمة؛ كيلا يظن ظان أن هذه الحرمة تمنع ابتداء العقد ولا تمنع البقاء (١)، والعرب في الجاهلية كانوا فرقتين: فرقة يعتقدون الإرث في منكوحة الأب، إذا لم يكن منها ولد يطؤها بغير عقد جديد، رضيت أم كرهت، وفرقة يعتقدون أنها تحل له بعقد جديد، وأنه متى رغب فيها فهو أحق بها من غيره، فكانت الآية ناسخة لما اعتقده الفرقتان.
قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ جمع حليلة، والمذكر حليل، وسميت امرأة الابن حليلة؛ لأنها حلت للابن من الحل، أو لأنها تحل فراشه ويحل هو فراشها من الحلول، أو أحل كل واحد إزار صاحبه.
وذكر الاختلاف لبيان إباحة حليلة الابن المتبنى، لا لإحلال حليلة ابن الابن؛ لأنه من صلبه أيضا، فيحرم بالنص، والكلام في الاستدلال كما مر في الآباء والبنات، ولا لإحلال حليلة الابن من الرضاعة كما قال الشافعي (٢)؛ استدلالا بهذا التقييد المذكور في الآية.
وقلنا: حرمتها تثبت بدليل آخر؛ وهو قوله ﵇:«يحرمُ مِنَ الرَّضاع ما يحرُمُ مِنَ النِّسَبِ»(٣) هذا حديث صحيح أخرجه الحفاظ، وبالإجماع، روي أنه ﵇ تبنى زيد بن حارثة، ثم تزوج امرأته زينب بعدما طلقها زيد، فطعن المشركون وقالوا: إن محمدًا تزوج حليلة ابنه، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِّجَالِكُمْ﴾ (٤)، فهذا التقييد دفع طعنهم، وكما تحرم حليلة الابن تحرم حليلة ابن الابن وإن سفلوا بالنص، ولكن ذكر في كتبهم أن تقييد الأصلاب ليس لإحلال حليلة الرضاع، بل لإحلال حليلة المتبنى،
(١) بعدها في الأصل: (والعرف). (٢) انظر: الأم للشافعي (٥/٢٦). (٣) رواه البخاري (٦/ ١٢٠/ ٤٧٩٦) ومسلم (٢/ ١٠٧٠/ ١٤٤٥) من حديث عائشة ﵂. (٤) بنحوه أخرجه الترمذي (٥/ ٢٠٥، رقم ٣٢٠٧) من حديث عائشة ﵂، وضعفه فقال: غريب. قلت: في سنده داود بن الزبرقان؛ متروك، كما قال الحافظ ابن حجر في التقريب (ص: ١٩٨، رقم ١٧٨٥).