للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وَكَذَا شَاهِدًا. وَالمَحدُودُ فِي القَدْفِ مِنْ أَهلِ الوِلَايَةِ فَيَكُونُ مِنْ أَهلِ الشَّهَادَةِ تَحَمُّلًا،

لأن الأمر مختف على القاضي فاحتاج إلى دليل مرجح لبناء القضاء عليه ولا كلام في القضاء، وإنما الكلام في الانعقاد، والانعقاد يعتبر الأهلية لا غير.

ألا ترى أن النكاح ينعقد بشهادة الأب ولا يقضي بها، وإنما لا يقبل شهادة الفاسق لتهمة الكذب، وفي الحضور والسماع لا يتمكن هذه التهمة.

وبالحضور والسماع يشيع النكاح ويشتهر فيما بين الناس، وأما ما ذكر من الخلل الواقع بسبب التجاحد يندفع بالشهادة بالتسامع فإنه يجوز في النكاح الشهادة بالتسامع.

وأما قوله: فلأن المقصود من الشهادة الأداء.

قلنا: الأداء من ثمرات الشهادة، وفوت الثمرة لا يدل على فوت الأصل كشهادة العميان، وابني العاقدين والمستورين، فإن النكاح ينعقد بشهادتهم بالإجماع، ولا يقبل عند الأداء بالإجماع.

وفي المبسوط: هذه المسألة بناءً على أن الفسق لا ينقص من إيمانه عندنا؛ لأنه لا يزيد ولا ينقص، والأعمال من شرائع الإيمان لا من نفسه (١)، وعند الشافعي الشرائع من نفس الإيمان، ويزداد الإيمان بالطاعة وينقص بالمعصية بجعل نقصان الدين بالفسق كنقصان الحال بالرِّق والصغر.


(١) انظر: المبسوط للسرخسي (٥/٣١).
وهذا على مذهب الأشاعرة، أما مذهب أهل السنة فقد بينه الإمام البخاري في صحيحه (١/١٠) فقال: باب قول النبي : «بني الإسلام على خمس»، وهو قول وفعل، ويزيد وينقص، قال الله تعالى: ﴿لَظُلْمُ عَظِيمٌ﴾ ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ﴾ [لقمان: ١٣ - ١٤] ﴿بِهَا اللهُ﴾ [لقمان: ١٦] ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧] ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ﴿وَلَا﴾ [لقمان: ١٧ - ١٨] وقوله: ﴿الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ﴾ [لقمان: ١٥]، وقوله: ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ يَبْنَى لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمُ﴾ [لقمان: ١٣]، وقوله جل ذكره: ﴿مَرَحًا إِنَّ﴾ [لقمان: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِير﴾ [لقمان: ١٩]، والحب في الله والبغض في الله من الإيمان، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي ابن عدي: «إن للإيمان فرائض، وشرائع، وحدودًا، وسننا، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص»، وقال إبراهيم : ﴿كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾، وقال معاذ بن جبل: «اجلس بنا نؤمن ساعة»، وقال ابن مسعود: «اليقين الإيمان كله»، وقال ابن عمر: «لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر»، وقال مجاهد: «شرع لكم من الدين ما أوصيناك يا محمد وإياه دينا واحدا»، وقال ابن عباس: ﴿مَنْ أَنَابَ إِلَى﴾ [لقمان: ١٥]: سبيلا وسنة.

<<  <  ج: ص:  >  >>