قال: اعلَم أَنَّ الشَّهَادَةَ شَرطٌ فِي بَابِ النِّكَاحِ … .
قلنا: عمل الهبة في إثبات الملك للحال؛ لأنه تمليك وتراخي الملك إلى القبض ليس بموجب اللفظ؛ لكن لضعف السبب لتعريه عن العوض؛ لكيلا يلزم المتبرع بتبرعه شيئًا لم يتبرعه وهو التسليم، وينعدم ذلك الضعف في النكاح لوجوب العوض فيه بنفسه، ألا ترى أن في موضع لا يؤدي إلى هذا المعنى بأن وهب العين ممن كان في يده، يثبت الملك في الحال من غير تراخ؛ لأنه لا يؤدي إلى تسليم ما لم يتبرع به، مع أن المملوك في النكاح بنفس العقد يصير كالمقبوض، ولهذا لو مات قبيل العقد تقرر البدل فكان بمنزلة عين الموهوب له فيوجب الملك بنفسه، إليه أشير في المبسوط (١).
قوله: قال ﵀: (اعلم أن الشهادة شرط في باب النكاح)، أي في قول عامة العلماء (٢).
وقال مالك (٣)، وابن أبي ليلى، وعثمان البتي، وأبو ثور (٤)، وأصحاب الظاهر ليس بشرط (٥)، وبه قال الزهري وأهل المدينة، وإنما الشرط الإعلان حتى لو أعلنوه بحضرة الصبيان والمجانين صح النكاح، ولو أمر الشاهدين بأن لا يُظهر العقد ويكتمونه لا يصح النكاح لهم لإطلاق الأوامر بالنكاح في القرآن.
وقوله ﵇:«أَعلِنُوا النكاحَ ولَوْ بالدُّفٌ»(٦)، وحضر النبي ﵇ إملاك رجل من الأنصار، فقال:«أين شاهِدُكُم؟» فأتي بالدف، فأمر أن يضرب على رأس الرجل (٧)، …
(١) انظر: المبسوط للسَّرَخْسِي (٥/ ٦١). (٢) انظر: المجموع للنووي (١٦/ ١٧٥)، المغني لابن قدامة (٧/٨)، واختلاف الأئمة العلماء لابن هبيرة (٢/ ١٢٧). (٣) انظر: المعونة للثعلبي (٧٤٥)، وبداية المجتهد لابن رشد الحفيد (٣/٤٤). (٤) انظر: الإشراف لابن المنذر (٥/٣٠ - ٣١). (٥) قال ابن حزم في المحلّى (٩/٤٨): ولا يتم النكاح إلا بإشهاد عدلين فصاعدًا، أو بإعلان عام، فإن استكتم الشاهدان لم يضر ذلك شيئا. اهـ. (٦) أخرجه ابن ماجه (٣/ ٩٠ رقم ١٨٩٥)، والبزار في المسند (٦/ ١٧٠ رقم ٢٢١٤). (٧) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٦/ ٣٤٠). وقال: غريب من حديث مالك، وحميد لم نكتبه إلا من حديث صالح بن زياد.