للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

شرعاً دفعاً لِلحَاجَةِ (وَيَنعَقِدُ بِلَفظَينِ يُعَبَّرُ بِأَحَدِهِمَا عَنِ الْمَاضِي، وَبِالْآخَرِ عَنْ المُستَقبَلِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ:

الناس، وهذا؛ لأن الإخبار إظهار ما كان أو سيكون لا لإثبات ما لم يكن، فإن قولك: (كن قمت) لا يوجب القيام، وكذا قولك: (تزوجت)، لا يوجب الجواز وضعا ولغة، ولم يوضع للإنشاء، فاختير لفظ الماضي له شرعاً للحاجة إلى الإنشاء؛ لأنه يقتضي سبق الوجود، فيكون أدل على الوجوب فصار الوجود حقاً له.

وقيل: صيغة تزوجت وطلقت، وأعتقت وبعت واشتريت تستعمل في اللغة والوضع للإنشاء والإخبار، فإن ذلك كان معروفاً في الجاهلية فقرره الشرع، فإن الحاجة متحققة في الجاهلية؛ لأن لهم أنكحة معتبرة قال : «وُلِدْتُ مِنْ نِكاح لا مِنْ سفاح» (١).

والفرق بين الإخبار والإنشاء سبب لمدلوله لا الإخبار، ولأن الإنشاء يتبعه مدلوله، والإخبار يتبع مدلوله، ولأن الإنشاء لا يحتمل التصديق والتكذيب، والخبر يحتملها، ولأن الإنشاء يقع منقولا غالباً عن أصل، وقد يكون إنشاء في أصل الوضع كالأمر والنهي، والخبر يكفي فيه الوضع الأول، وفيه تأمل.

قوله: (وبالآخر عن المستقبل)، قال العلامة مولانا حمد الدن رَحْمَةُ اللهِ: نظير الانعقاد بالماضي والمستقبل، مثل أن يقول الرجل: إني أتزوجك، فقالت المرأة زوجت نفسي منك، يصح النكاح، ويكون لفظ المستقبل كالماضي تبعاً للماضي (٢).

وما أورد في الكتاب من النظير قيل: إنه ليس بصحيح؛ لأن قوله: زوجيني توكيل، فلا يكون شرط العقد.

قوله: (زوجتك) (٣) هو الإيجاب، فلم يوجد شطر العقد أيضاً إلا أن يجعل قول الوكيل: زوجت بمنزلة الإيجاب والقبول، والوكيل بمنزلة شخصين، والواحد يتولى طرفي العقد في النكاح، فيتحقق شطري العقد؛ لكن قوله:


(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٣٠٧) رقم (١٤٠٧٦)، والطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ٣٢٩ رقم ١٠٨١٢). وفي إسناده ضعف، انظر: التلخيص الحبير لابن حجر (٣/ ٣٨٢).
(٢) انظر: المبسوط للسَّرَخْسِي (٥/١٦)، والبناية شرح الهداية للعيني (٥/٧).
(٣) انظر المتن ص ٥٠٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>