للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وَلَنَا: أَنَّ الْآخِذَ إِنَّمَا يَصِيرُ سَبَبًا لِلضَّمَانِ عِنْدَ اتِّصَالِ الهَلَاكِ بِهِ، فَهُوَ بِالقَتْلِ جَعَلَ فِعْلَ الْآخِذِ عِلَّةٌ، فَيَكُونُ فِي مَعْنَى مُبَاشَرَةِ عِلَّةِ العِلَّةِ، فَيُحَالُ بِالضَّمَانِ عَلَيْهِ.

ولنا: أن الصائد بأداء الضمان منزل منزلة المالك في بدل الصيد، وإن لم يمكن تنزيله مالكا للعين، كمن غصب مدبرًا فغصب آخر منه، فأخذ المولى الضمان من الأول؛ فإنه يرجع على الثاني، وينزل منزلة المالك في استحقاقه بدله؛ لتعذر استحقاق عينه، وكون المؤدى جزاء الفعلة لا ينافي معنى البدلية فيه؛ ألا ترى أنه يزيد بزيادة القيمة وينقص بنقصانها، فوجب اعتباره؛ لأنه لا تعارض بين المعنيين، فإن اعتبار البدلية لا يخل بمعنى كونه جزاء بخلاف ما قاس عليه؛ لأن الإسلام ينافي تقوم الخنزير في حق المسلم، فلو نزل منزلة المالك بأداء الضمان؛ لم يجب له ضمان لسقوط ماليته في حقه، أما الإحرام فلا ينافي تقوم الصيد؛ بسبب مالية الأعيان باعتبار معانيها وتعلق المصالح بها، وتقومها بحسب الرغبة فيها، وتقوم الصيد وماليته لا تظهر إن قبل الاستيلاء عليه؛ لعدم الإحراز، فإذا أحرز ظهر، أو للإحرام لا يسقطهما، وإنما موجبه إزالة اليد عنه تحقيقا لما استحقه من الأمن؛ ألا ترى أنه لو كان في يد المحرم صيد هو له؛ يجب عليه إرساله، ولو قتله آخر في يده ضمنه؛ وذلك لقيام التقوم والمالية، فأمكن تنزيله منزلة المالك في حق هذا البدل، إذا تعذر أن يقام مالكا لعينه، وهذا التقدير يصلح جوابًا لسؤال ذكر في الأسرار والمبسوط بقوله (١).

فإن قيل: ليس الأخذ في الصيد ملك ولا يد محترمة، فكيف يرجع على القائل: والضمان يجب بأحد هذين الأمرين.

قلنا: يده على الصيد معتبرة لحق الآخذ؛ لأنه يتمكن من إرساله وإسقاط الجزاء به عن نفسه، فالقاتل صار مُفوّتًا هذا اليد فيضمن إن لم يملكه الآخذ، كغاصب المُدَبَّر إذا قتله إنسان في يده فأدى الغاصب ضمانه؛ يرجع على القاتل بقيمته كما لو ملكه، وإن كان المدبر لا يقبل النقل من ملك إلى ملك عند اتصال الهلاك به بالآخذ؛ لأنه يتمكن من إرساله كما بينا.

(فهو)؛ أي: الآخر بالقتل جعل فعل الآخذ عليه للضمان؛ ولهذا لو قتله


(١) انظر: المبسوط للسَّرَخْسِي (٤/ ٨٨ - ٨٩)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٣/ ١٠٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>